اسبانيا
ما إن انتهي من تمرينه الروتيني، حتى جذب حقيبته الرياضية واتجه نحو بوابة ساحة التدريب..
كان جسده متعبًا، لكن عقله ظل يقظًا، مثقلًا بشيء لا يعرف له اسمًا… فجأة هو يسير، توقفت قدميه… كأن قوة خفية جعلته للحظات يلتصق فى مكانه وهو ينظر هناك… على بُعد خطوات، وقعت عيناه على مشهدٍ أشعل داخله نــ,,ـــــارًا دفينة… زوجته… تقف قريبة بشكل أكثر مما ينبغي من أحد مسؤولي النادي، تتغنج بخفة وهي تتحدث، وابتسامة غامضة ترتسم على شفتيها… لم يكن المشهد عابرًا، ولا بريئًا كما حاول أن يقنع نفسه في لحظةٍ خاطفة…
اجتاح عقله غضب عارم، تداخل مع وخز قاسي من الندم، وكأن شيئًا بداخله يُسحب بعنــ,,ـــــف… اشتعلت نخوته، وتقدم طبع الرجل الشرقي في داخله ليتحكم بكل ذرة
من كيانه… ألقى الحقيبة أرضًا دون وعي، وانطلق نحوهما بخطوات حادة، تكاد تطرق الأرض طرقًا…
توقف أمامهما فجأة، حضوره كان صادمًا بما يكفي ليقطع حديثهما… التفتت إليه زوجته، واتسعت عيناها لوهلة،يرتجف قلبها.. بينما اعتدل الرجل الآخر في وقفته محاولًا الحفاظ على هدوئه.
نظر لها بغضب واضح قائلًا بالاسبانية بصوت خشن، مكبوت الغضب:
إنتِِ بتعملي إيه هنا فى النادي، واقفة هنا ليه. تلعثمت قليلًا، ثم قالت محاولة التماسك:
لا شيء كنت واقفة فقط. تدخل المسؤول بابتسامة سمجة :
أهلًا بك كابتن حسين كنت أنا وزوجتك نتــ,,ـــــحدث أنك مكسبً للنادي.
قاطعه بنظرةٍ حادة، وصوتٍ أكثر صرامة:
لما تتدخل فى الحديث بيننا أنا أتحدث مع زوجتي… لا شآن لك بذلك. سادت لحظة صمت ثقيل، قبل أن ترفع رأسها نحوه، بنبرةٍ لم تخلو من التحدي:
وماذا فعلت خطأ، أنا فقط أتحدث معه فى عمل خاص. انفرجت شفتاه عن ضحكةٍ ساخرة، خالية من أي دفء:
عمل…عمل بتلك الوقفة وذلك الالتصاق. اقترب خطوة، حتى صار صوته أقرب للهمس، لكنه أشد وقعًا:
لا تختبري صبري. اشتدت ملامحها، وقالت بعناد:
وأنا لا أقبل أن تتكلم معي بهذا الشكل الفج.
نظر إليها طويلًا، بنظرةٍ اختلط فيها الغضب بشيءٍ أعمق… خذلان ربما، أو جـ,ـرحٍ لم يُفصح عنه. ثم تراجع خطوة، التقط حقيبته من الأرض بعنــ,,ـــــف، واستدار مغادرًا دون كلمةٍ أخرى.
خلفه، بقي الهواء مثقلًا بالتوتر، وصدى المواجهة عالقًا في المكان… كأن شيئًا انكسر، ولن يعود كما كان… بكل خطوة يلوم نفسه من أجل ماذا خسر جزء من نخوته، لكن لن يدعها هكذا يكفي…
خرج من بوابة النادي بخطواتٍ متسارعة، كأن الهواء نفسه صار خانقًا لدرجة لا تُحتمل.
لم يكن الغضب وحده ما ينهش صدره، بل ذلك الشعور المربك الذي يتسلل خلفه دائمًا… الخذلان…
ضغط على مقبــ,,ـــــض حقيبته بقوة حتى ابيضت مفاصله، ثم أوقف السيارة بعنــ,,ـــــف كاد يلفت أنظار المارة… جلس خلف المقود لثوانٍ طويلة، يحدق في الفراغ، قبل أن يضـ,ـرب عجلة القيادة بكفّه ضـ,ـربة مكتومة.
_ ليه
همسها لنفسه أكثر مما هو سؤال.
لم يكن غريبًا عليه أن يغضب… لكن الغريب أن صورتها وهي تقف هناك، بثباتٍ لم يفهمه، كانت أكثر إزعاجًا من المشهد ذاته. كأنها لم تعد تبالي.
في المقابل…
داخل النادي، بقيت واقفة في مكانها بعد أن اختفى من أمامها… صدرها يعلو ويهبط ببطء، تحاول أن تُعيد ترتيب أنفاسها قبل أن يفضحها ارتجافها. لم تكن خائفة منه… بقدر ما كانت غاضبة من طريقته…
التفت إليها المسؤول محاولًا كسر التوتر بابتسامة خفيفة:
يبدو أنه شديد التملُك. رمقته بنظرة باردة، قاطعة، ثم قالت بصوت منخفض لكنه حاسم:
لا تتدخل فيما لا يعنيك.
ثم استدارت وغادرت دون أن تضيف حرفًا…
في السيارة ، كان يقود دون وجهة واضحة… المدينة تمر بجانبه كظلال باهتة، وكل ما في رأسه يعيد المشهد نفسه بلا توقف. قربها منه… حديثها… تلك النظرة التي لم يعرف كيف يفسرها…
لكن ما لم يعترف به، حتى لنفسه، أن الغضب لم يكن وحده ما يشتعل داخله.
كان هناك صورة خذلان قديم، يعود كلما شعر أن شيئًا يقترب من أن يُنتزع منه مرة أخرى…
ضغط على مكابح السيارة فجأة عند إشارة حمراء، وأغمض عينيه لحظة طويلة، كأنه يحاول إسكات الضجيج داخله… ثم خرج صوته أخيرًا، منخفضًا، خافتًا:
مش هسمح الماضي يتكرر… مش تاني.
وفي تلك اللحظة، لم يكن يتحدث عنها وحدها… بل عن كل ما ترك فيه أثرًا سابقًا ولم يلتئم بعد.
لكن ما لم يكن يعلمه، أن المواجهة لم تنتهِ بعد… وأن الخطوة القادمة ستكسر صمتهما معًا، بطريقة لن يستطيع أي منهما تجاهلها.
❈-❈-❈
بـ ڤيلا راقية
بغرفة جانبية بالحديقة تُشبة ورشة صغيرة،
إنتهت من صب تلك القطعة النُحاسية، اصبحت شكلًا مُبهر، من يراها لو لم يكن لدية خبرة لقال أنها قطعة ذهبية أثرية،
لكن سُرعان ما شعرت بالضجر من تكرار رنيين الهاتف..
مسحت كفيها بقطعة قماش خشنة وهي تتأمل انعكاس الضوء على السطح النحاسي المصقول حديثًا، كأنها تحاول أن تلتقط منه شيئًا من الرضا… لكن الشعور كان أبعد ما يكون عن ذلك.
أطلقت زفرة قصيرة، ثم خلعت قفازي العمل بإهمال، قبل أن يمتد صوت الهاتف من جديد، هذه المرة بإصرارٍ أكثر حدة..
رمقته بنفاد صبر، ترددت لثواني، ثم التقطته أخيرًا.
أيوه.
خرج صوتها جافًا.
على الطرف الآخر، جاء صوت مألوف، رغم غضبه من تجاهلها الرد،لكن ابتلع ذلك قليلًا قبل:
مش بتردي ليه… اتصلت عليكِ اكثر من مرة.
مسحت جبينها الملوث ببقايا الغبار المعدني. قائلة بغرور:
كنت شغالة… في إيه. تضايق الآخر قائلًا:
فى ان تصميم بطاقات دعوات الفرح بتاعنا تقريبًا جهزت .. يعني المفروض إننا فى التجهيزات النهائية. تباطئت أنفاسها للحظة، وكأن الكلمـ . ـات لم تدخل أذنها من الأساس…
خفضت عينيها نحو الطاولة أمامها، حيث تتناثر أدواتها المعدنية، ثم ردّت بصوت أهدأ لكنه مشدود:
فرحنا. على الطرف الآخر، جاء صوته أكثر ثباتًا، كأنه يحاول تثبيت شيء يتفلت منه:
أيوه… فرحنا. إنتِ كنتِ موافقة من الأول، إيه اللي اتغير دلوقتي.
ابتسمت بسخرية خفيفة، غير مرئية له لكنها واضحة في نبرة صوتها:
ولا حاجة اتغيرت… بس واضح إنك مستعجل. ساد صمت قصير، قبل أن يرد بنفاد صبر مكتوم:
أنا مش مستعجل، أنا بحاول نخلص كل حاجة بشكل محترم. الناس بدأت تسأل، وأهلي كمان. رفعت رأسها قليلًا، امتلأت عينيها بنظرة باردة ارتسمت في عينيها وهي تحدق في الفراغ قائلة بنبرة غرور:
والناس وأهلك أهم من رأيي أنا. توقف للحظة، وكأن السؤال أصابه في موضع غير مريح.
ثم قال بهدوء أقل حدة:
مش قصدي كده… بس إنتِ عارفة إن الموضوع مش بسيط.
أغمضت عينيها لثانية، ثم اعتدلت واقفة، ومسحت على الطاولة بكفها ببطء، كأنها تمحو الفكرة نفسها.. قائلة ببرود محسوب.:
تمام… خلينا نمشي في التجهيزات.
بس متستناش مني أكون نسخة من الصورة اللي في دماغك.. ابتلع غرورها، بينما هي أغلقت الاتصال… كادت تُغلق الهاتف، لكن وقع بصرها على خبر منشور على أحد المواقع الشهيرة، وجملة العنوان لفتت نظرها
“نجاح جديد لأحد لاعبين كُرة اليد المحترف بأكبر نوادي أسبانيا، فوزه بلاعب الموسم، جاء ذلك بعد فترة وجيزة من زواجه من أسبانية.. يبدوا أنها تميمة حظه.
إنتهت من قراءة ذلك العنوان الطويل.. تهكمت بسخرية قائلة جملة واحدة:
إنتهازي وبيعرف يستغل الفرص. نظرت نحو الخارج، كانت الشمس تميل نحو الغروب، لكن داخلها كان هناك شيء أبرد بكثير من ضوء النهار الأخير.
❈-❈-❈
بشقة والدة سديم
أغلقت سديم الهاتف، ثم عادت تتمدد على الفراش تتثائب، نظرت لها سنا قائلة:
غريبة إن اتصال مدحت خلص بسرعة كدة، ده رغاي وبياع كلام. تثائبت سديم قائلة:
مش عارفة سبب لعدم راحتك لـ مدحت، رغم أنه شخص محترم.
تهكمت سنا قائلة بتكرار:
محترم… بمكن، معرفش انا مش برتاح له بحسه شخص وصولى، والدليل انه بيرغي كتير، بس سيبك، سمعت كلمةحفلة، حفلة ايه. أجابتها:
حفلة فى نقابة المحامين، تقريبًا زي عيد سنوي، قالي إن هيبقى فيه صاحب المكتب اللى بيشتغل فيه، وقالى ممكن تكون فرصة أتعرف عليه، كمان يمكن يختارني من اللى بيدربوا عنده، تبقى فرصة كبيرة ليا، ده كان أستاذ فى الجامعة، كمان شارك فى صياغة قوانين كتير فى البلد… قالي إنه كل سنه بيختار مجموعة من المتفوقين ويضمهم لمكتبه، وهو مدحت إنضم كده.
تهكمت سنا بسخرية قائلة:
طب هتروحي معاه لوحدكم. نظرت سديم لها قائلة:
هحاول أقنع ماما، الحفلة بتخلص بدري. أومأت سنا ببسمه قائلة:
إحذري من مدحت حساه بيعمل كده لهدف فى راسه، مش عشان جيران. ضيقت سديم عينيها باستفسار سائلة:
وايه الهدف ده. أجابتها بتوضيح:
إنتِ، شكله معجب ويمكن بيرسم على خطوبة ولا… قاطعتها سديم:
أكيد لاء، الفكرة مش فى دماغي – بس يمكن في دماغه هو.
هكذا قالت سنا، شعرت سديم بوخزات قوية فى قلبها سهمت قليلًا، هزت راسها برفض قاطع، ففكرة الزواج أبعد ما تكون عن رأسها، كيف ستواجه أنها لم تعُد عذراء.
تثائبت وهي تهز رأسها تسحب الدثار ، ضحكت سنا بلا قصد بمزح قائلة:
من شوية كنت بترجعي،وقولتي قرفانه من الأكل،ودلوقتي عاوزه تنامي…حتي بقيتي بتنامي كتير كدة زي…. الحوامل. “زي الحوامل”
جملة اخترقت قلبها كرصاصة إنفجرت فى صدرها، تشعر كأن قلبها توقف، هو توقف بالفعل، يديها إرتعشت وتذكرت موعد عادتها الشهرية لقد مضي على ميعادها الدوري أكثر من شهر
أيعقل… أن تكون حقًا حامل..
لو كان ذلك صحيح ستكون كـ,ـارثة ساحقة لها. للحكاية بقية