منوعات

حتة من قلبي

ابتسمت أماني بـحنان وربتت على رأسـه هاتفة – هتعمله ايه؟ ضيّق عينيه بـشك مردفًا – لأ مش هقولك عشان انتي هتروحي تقوليله. شهقت وأشـارت على نفسها قائلة – انا يا آسر؟ سخـر – ايوه يا اختي انتي، روحي يا ماما الله لا يسيئك شوفي كنتي بتعملي ايه. آسر..هذا الشاب البالغ المتنكر في هيئة طفل صغيـر لا يفقه شيئًا، ذكي لدرجة مُبهرة والجمـيع يعلم، وتفوقه في صفه الدراسي هو أكبـر دليل على ذلك، آسر يبلغ من العمر إحدى عشر عامًا بالمناسبة.

– طيب يا آسر الله يسامحك، هروح أحضـر الغدا وكدا كدا هعرف الهدية علفكرة. أومـأ لها وتابع خروجها بـترقب، ومن ثم عاود عمله من جديد بكل حماسٍ ونشاط منتظرًا إعطاء هديته لشقيقه ليـسعد بها ❀❀❀ «في المسـاء» حضـر الجميع من أعمالهم باكرًا، فـ اليوم هو يوم تاريخي لا يأتي سوى مرة كل عـام، ولا يحتفل به ياسين سوى مرة كل ثلاثة أعوام وهذا ما اعتادوا عليه!

انتهت التزينات وكعكة عيد الميلاد واجتمعت كل أفـراد العائلة وانتظـروا قدوم ياسين الذي دخل بعد لحظات المنزل متوقعًا ما سيحدث، فـ لم يتفاجئ البتة وكان رد فعله هادئًا ومثيرًا للأعصاب، اجتمعوا عند الكعكة على الطاولة وأسندت وداد والدها لينهض من على الأريكة، وقف بجانب أماني وفي وسطهم انحشرت «براعم» فـ ضحك ثروت وضمها إليه، ووقف آسر بجانب ياسين في محاولة منه لجعله يلتفت له ويهتم به، ولكن خابت آماله عندما رأى ياسين يُطفئ الشموع بـملل وكأنه طفل في الخامسة من عُمره!

اعطاه الجميع هداياه وكلًّا منهم يلقي تهنئته، حتى جاء موعد هدية آسر الذي قدمها لياسين بكل حماس طالبًا منه أن يفتحها الآن، فـ زفـر ياسين بـضيق وهو يفك رباطها وآسر يترقب ردة فعله في قلق، حتى تبدلت ملامح وجه ياسين فجـأةً وتجمدت أطـرافه وهو يُناظر لوحة صغيرة حولها إطارًا خشبيًا وبها رُسمت صورته! أردف آسر بـحرج – اتمنى يكون رسمي عجبك يا أبيه. لاحت على شفتيه بسمة لطيفة، سرعان ما محاها سريعًا وهو يربت على خصلات الصغيـر قائلًا في هدوء

– حلوة يا آسر، شكرًا. رغم ان تلك لم تكن الإجابة التي ينتظرها الصغيـر، إلا انه سعد لأنها اعجبته، وبـادر هو بـإحتضان ياسين مع أنه من المفترض ام يكون ياسين هو من يحتضنه!
تنهـد ياسين بـتعب وضمّ الصغير بـخفة ❀❀❀ في ظل ما كان الجميع جالسًا يتحـ,ـادثون ويأكلون من الكعك ويرتشفون العصائـر، رنّ جرس الباب فـ انطلقت يسرية إليه وفتحته، ابتسمت شفتيها المطليتين بلون وردي خفيف وقـالت بصوتها الرقيق – ازيك يا دادة يسرية. تسمرت يسرية في مكانها وحملقت في مَن أمامها بـص وخاصةً في يدها التي تتشبث بها فتاة صغيرة..

انحلت عُقدة لسانها واجابت بـإقتضاب – هو انتي. اختفت بسمتها وحل محلها تعبير حزين رُسم على وجهها، ابتلعت غصتها وقـالت – ياسين موجود؟ اومـأت يسرية بـحنق وأشـارت لها بالدخول، فـ خطت داخل المنزل ببطء منكسة الرأس لا تقوى على رفعها، كانت أول من رأتها هي براعم التي شهقت متفاجئة فـ التفت الجميع على أثـر تلك الشهقة…
اسودت عيني ياسين غضبًا، وانتفض واقفًا كـالملسوع وصاح غاضبًا – انتي بتعملي ايه هنا؟ ابتسمت بـحزن – ازيك يا ياسين؟

عـاد يصيح
– بتعملي ايه هنا يا رحـاب انطقي؟ تنهـدت بـقهرة ونظـرت للصغيرة التي تتشبث في دميتها من جهة وبيد والدتها من جهة أخرى… وأخيـرًا انحلت عقدة لسانها وبـادرت بـ – جاية عشان أعرفك على بنتك! شهق الجميع وانتفضوا واقفين ، بينما هـدر ياسين منفعلًا – بنت مين وزفت ايه، انتي من كتر قذارتك وعلاقاتك مش فاكرة دي بنت مين وجاية تلبسيهالي؟؟ التمعت الـ,ـدموع في عينيها وتجـاهلت إهانتها اللاذعة ونظـرت للصغيرة مُبتسمة بـألم هاتفة – سلميّ على بابا يا چويرية.

اختبئت الصغيرة خلف والدتها وهي تهز رأسهـا بنفي هامسة بـصوتٍ طفولي بريء ممزوج بـحدة العناد والتحدي – مبسلمش على حد معرفوش! #الفصل_الثاني تنهـدت رحـاب وقالت – من وقت ما انفصلنا وانا بربي چويرية لوحدي، بشتغل وبصرف عليها، يعلم ربنا يا ياسين ان عمري ما استغليت اسمك عشان اجيب فلوس لينا، طول عمري ماشية جنب الحيط، لحد ما اكتشفت من شهرين ان عندي كانسـر، قعدت أفكـر هعمل ايه وچويرية هيبقى ليها مين من بعدي، معنديش حد غيرك يا ياسين، متكسفتيش ارجوك!

صـاح ياسين منفعلًا – ما تتكسفي ولا تتنيلي، البت دي مش بنتي وانتي عارفة دا كويس يا خاينة يا زانية. صـاح ثروت بـحدة – ياسين. استدار له ياسين يُطالعه بـأعين حمراء من شدة الغضب – عايز ايه من زفت. توقف لبرهه، وعاد بنظره لـرحاب وتساءل – انتي سجلتيها بـإسمي ازاي؟ ابتلعت رحـاب ريقها ونظرت لـثروت بتوتر، فـ ابتسم ياسين بـسخرية وعض على شفتيه في غيظ وهنا أردف ثروت – اسمعها يا ياسين..يمكن تكـو…. قاطعه بـحدة

– اسمع ايه؟ دي تخاريف، دي استحالة تكون بنتي. وأشـار على الصغيرة المتشبثة في ملابس والدتها تُطالع انفعالات ياسين بـهدوء لا يليق بـطفلة في سنها، مما يؤكد صلتها بـياسين! تحدثت رحـاب من بين دموعها الحزينة – تقدر تعمل DNA. صـاح مستنكرًا – وانا هعمل دا ليه طالما انا متأكد انها مش بنتي. قاطعه ثـروت بهدوءٍ – ما تعمله يا ياسين هتخسر ايه يعني! زفـر ياسين حانقًا، ومرر يديه في خصلاته يشد عليهما بغضب زائد، والجميع يتابع ردة فعله في توجس، تخصـر ياسين وهو يرمق الصغيرة بنظرات نافرة مزدرية، لـتبادله بنظرة بريئة عنيدة، وكـأنها تتحداه من إنكار أبوته لها!

في طريقهم إلى المشفى، كان لا بد من خروج احدهم مع ياسين ورحـاب، خوفًا من أن يتعرض لها ياسين فـهو معروف بـغضبه الجحيمي المُدمِر، فـ قرر نـاصر الذهاب معهم، وجلس في الأمام بينما جلست رحـاب وچويرية بـالخلف، قـاد ياسين السيـارة بسرعة جنونية مميتة، فـ صرخت به «چويرية» خوفًا – ما تقلل السرعة احنا هنطير!! كبت نـاصر ضحكته فـ رمقه ياسين بـحدة أخرسته، ورمق چويرية في مرآة السيـارة وبـعنادٍ زاد من سرعة السيارة الضعف، فـ حاوطت رحـاب ابنتها وملست على خُصلاتها تُهدئها..

وفـي غضون دقائق وصلوا للمشفى وترجلوا جميعهم، قبل أن يدخلا لم ينس ياسين أن يـرمق رحـاب بـإزدراء، لم تلحظه ولكن الصغيـرة لاحظت وبادلته
-بدلًا من والدتها- النظـرة بمثلها..حاقدة، ونافرة! ❀❀❀ يجلس ياسين بـركن من أركـان المنزل ينفث سيجارته في شراهة، وكأنه يفترسها، فـ ظهور طفلة له من العدم يعيقه على التركيز بأي شيء، يجعله غاضبًا منفعلًا لا يريد سوى تحطيم وجه تلك الخائنة، لا يريد نسخة أخرى منها تمثل عليه وتكذب مثلها وتخون ثقته بها كما فعلت الحقيـرة!

رآها تنهض هي والطفلة قائلة بخجلٍ – انا هروح، على ما التحاليل تظهر. اعتـرض ثروت بـهدوءٍ – لأ ابدًا، الدكتور قـال هتطلع بعد بكرا، استني معانا. نظـرت لياسين بـحرج – مالوش لزوم. وأخيـرًا تحدثت أمانـي بعد صمتٍ – اقعدي يا رحـاب، دي مهما كانت بنتنا برده، لحد ما نتأكد هتفضلي هنا.. نقلت نظرها لإبنها – ولا انت ايه رأيك يا ياسين؟ قـال ببرود وهو ينهض بعدما دهس السيجارة في المطفأة – اللي انتوا شايفينه، كده كده انا مش مهتم..

تركهم وتوجه صوب باب المنزل وفتحه منسحبًا من بينهم كما جـاء، بينما تنهدت رحـاب حزينة وأخفت رأس طفلتها داخل أحضانها.. ❀❀❀ مر اليومين سريعًا، لم تتعامل العائلة كثيرًا مع رحـاب أو چويرية، حتى ياسين لم يأتي طوال هذين اليومين، لم تـأنس چويرية احدًا سوى آسر، قريبًا من عُمرها ويفهمها! كــانت رحـاب تقف أمـام المرآة تمشط خصلاتها، فـ رأتهم يخرجون في يدها، تقع خصلاتها أثـر المرض، ويتألم صدرها من فكرة ترك صغيرتها وحيـدة! جذبت الصغيـرة ملابسها وهي تقول

– مامي، مالك؟ أخفت رحـاب خصلاتها خلف ظهرها وابتسمت بـزيف للصغيرة مردفة – ايه يا چوري يا حبيبتي..منزلتيش ليه؟ امتعضت ملامح الصغـيرة – محبتش العيلة دي. عقدت رحـاب حاجبيها – ليه؟ رفعت منكبيها بعدم إكتراث – مفككين، وانا مبحبش الناس المُفككة! تحدثت رحـاب مُشجعة – في ايدك تخليهم سوا يا چوري. – وانتي؟
-آآ..انا ايه؟
– انتي هتمشي؟ التمعت الـ,ـدموع في عينيها وقـالت – هخلص شغلي وأجي علطول، مش هطول. تنهـد چويرية بـحزن وقالت – مامي انتي بتكدبي، انتي تعبانة..سمعتك بتتكلمي مع الدكتور، متحسسنيش اني طفلة ومش هفهم.

رفعت رحـاب رأسها للسقف تغمض عينيها بـوجع، لا تريد إظهار ألمها الفتَّاك أمام طفلتها الوحيـدة، استدارت چويرية وقالت بينما تستعد للخروج من الغرفة – انا مش قلقانة، لأني واثقة انك هتنفذي وعدك..وترجعيلي تاني. ما إن خرجت الصغيـرة حتى انفجرت رحـاب باكية، تعلم انها لن تستطيع تنفيذ وعدها للصغيـرة، فـ هي ضعيفة لن تقوى على مقاومة مرضها المؤلم، ستنساها طفلتهـا وسـيحبها ياسين، وسيصبح أبًا حنونًا لها..هي تثق بعودة ياسين القديم! صمت مطبق يحيط بكل فرد من افراد العائلة المجتمعين حول طاولة الطعام، فقط أصوات اصطدام المعالق بالأطباق..

قطع الصمت حمحمة ثـروت الذي هتف بعدها بخشونة – التحاليل هتطلع انهاردا باين؟ أردف ناصـر مُجيبًا – ايوه يا حَج، بليل هروح اجيبها. أومأ ونظر لأماني قائلًا – ابقي اتصلي بإبنك خليه يجي، اما نشوف أخرة دلعه. اومأت أمـاني بـطاعة، وأكمل الجميع إفطاره زائدين طفلة لطيفة ادخلت البهجة على البعض! ❀❀❀ كـانت عشق تقف بـجوار ناصر الذي يشرح لها قواعد البناء واصول العمل، هي تدّعي التركيز..ولكن في الواقع هي مشتتة كليًا، فـ أشعة الشمس الحارقة تلذع وجهها لذعًا، لا تريد إخباره حتى لا يسخر منها كما اعتادت، اكتفت بالتمثيل أنها على ما يرام كلما نظر لها…

– هاتلنا اتنين لمون فريش يا صبحي معاكم. قالها لأحد العمال الذي ذهب لجلب العصائر والطعام، وجلس الجميع للإستراحة، فـ اليوم شاقًا ويحتاجون للراحة كي يكملوا…
وفي حين ما هم جالسون تحدث نـاصر وهو يقضم لقمة من الشطيرة القابعة بين يديه – بس مكنتش اعرف انك جامدة كدا. نظرت له بحدة وهـدرت – جامدة ازاي يعني؟ رفع كفيه بجانب رأسه بـإستسلام وقـال مبتسمًا – مقصدش اللي فهمتيه والله، اقصد قوية يعني، محوقش فيكي الشمس ولا التعب!

أردفت بـجدية

انت في الصفحة 2 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى