حصري لصفحة روايات رولا
سماح جابت آخرها، واللحظة دي كانت هي النهاية فعلاً…
—لو أمك مـ,ـاتت الليلة دي، إياكي ترني عليا تاني! مشاكلها تلزمك أنتِ، مش تلزمني أنا.
صوت حسام طلع من سبيكر الموبايل وسط مزيكا عالية، وصوت كاسات بتخبط، وضحكة ست. أنا كنت واقفة في طوارئ مستشفى خاص في المهندسين، وإيديا لسه بتترعش بعد ما قعدت أعمل إنعاش قلبي لست وقعت قدامي فجأة على الأرض.
اللي حسام ما كانش يعرفه… إن الست دي ما كانتش أمي أنا.
دي كانت أمه هو.
بصيت لشاشة الموبايل. خمسطاشر مكالمة. أربعطاشر طنّشهم، وواحدة رد فيها عشان يكسرني ويهينني.
التسجيل التلقائي في الموبايل كان لسه مخلص تسجيل المكالمة.
ما عيطتش.
بس قلت في سري: “أنت لسه حالاً قاضي على جوازنا ومحدد نهايته بنفسك.”
أنا اسمي سماح، عندي سبعة وثلاثين سنة، ومسكة إدارة العمليات اللوجستية في شركة في القاهرة. أمي، الحاجة رضا، ربتني لوحدها بعد ما أبايا توفى، كانت شغالة في مطحنة وعملت كل اللي تقدر عليه. بفضل ربنا ثم منح الدراسة وشقا سنين، قدرت قبل ما اتجوز اشتري شقة صغنيرة على قدي في الشروق.
اتعرفت على حسام في الشركة.
كان باين عليه ابن ناس وبسيط، وكان دايماً يتكلم بفخر عن أمه، الحجة نجوى، وكد إيه ضحت عشانه. أنا قلت في نفسي اللي بيحترم أمه ويشيلها فوق راسه، أكيد هيحترم أمي ويصونها. بس اتخدعت.
بعد جوازنا بأسبوعين اثنين، حسام طلب مني ندمج الحسابين بتوع المرتبات.
—أحنا بقنا بيت واحد وعيلة واحدة —قالها بابتسامة— لو جمعنا فلوسنا مع بعض، هنكبر ونقف على رجلنا أسرع.
وافقت بنية صافية.
أول شهر، ومن غير ما يرجعلي ولا يستأذن، لغى التحويل الشهري اللي كنت بعمله لأمي عشان أدويتها ومصاريفها.
—أمك لسه بتتحرك وتقدر تصرف على نفسها —قالها وهو مبصش حتى ناحيتي وعينه في التلفزيون— أنا مش فاتح البيت عشان أصرف على بيتين.
بس في نفس الوقت، كان كل أول شهر بيحول مبلغ محترم لأمه نجوى. غير إنه كان يدفع فواتير خطها، وكشف الدكاترة، ومشترياتها، وحتى خروجتها مع صحابها في الساحل ولا مصر الجديدة.
لما واجهته واشتكيت من التفرقة دي، ابتسم بسخرية ووجع قلبي:
—أمي ضحت بحياتها عشان تطلعني راجل.. بلاش تقارني أمك بأمي.
الجملة دي دخلت في قلبي زي السـ,ـكينة.
نجوى أمه كانت بتدخل بيتي بالمفتاح اللي حسام ادهولها من غير ما يقولي، تفتح التلاجة وتفتش في كل حاجة وتنتقد كل صغيرة وكبيرة. في عيد الفطر اللي فات، هانت كعك العيد اللي أمي كانت عملاه بإيديها وجايباه بفر فرحتها، وحسام وقتها حط لسانه في بؤه وما نطقش بحرف.
من اليوم ده، بدأت أحتفظ بكل كشوفات الحسابات، الرسائل، والتسجيلات. بحكم شغلي في اللوجستيات متعودة أثبت كل حاجة بالورق، وسبت خاصية تسجيل المكالمات التلقائي شغالة على الموبايل.
بعدها بشهور، أمي اضطرت تعمل عملية استئصال مرارة. لما طلبت من حسام يجي معايا المستشفى، قال لي إنه عنده عزومة شغل مهمة مع عملاء.
—أمك ومشاكلها تخصك أنتِ لوحدك.
يومها حاجة جويا اتكسرت وما اتصلحتش، بس كملت ومشيت الدنيا.
لحد ليلة من ليالي أكتوبر…
نجوى طبّت عليا في البيت من غير ميعاد على الساعة عشرة بالليل. كنت لسه راجعة من الشغل مهدود حيلي واللاب توب في إيدي.
—يوم الأحد الجاي هتعملي عزومة محترمة لعيد ميلاد أخوكِ الكبير —قالتها وهي بتأمر.
وضحتلها بهدوء إني مش هقدر، لأن أمي عندها ميعاد متابعة مهم مع الدكتور وأنا وعدتها أروح معاها.
نجوى خبطت بإيدها على الترابيزة بغشم:
—دايماً أمك هي الأولى! أنتِ اتقفل عليكِ باب راجل خلاص.. اتعلمي أعرفي مين عيلتك الحقيقية!
تنفسك بصعوبة وقلت:
—أمي هي عيلتي بردو يا طنط.
وشها اتغير واحمر من الغضب:
—أمك عملتك عيلة وعودتك على الدلع.. المفروض في سنها ده تبطل تمثيل وتستجدع بدل ما هي شحتة عطف منك طول الوقت!
حسيت الدم بيغلي في عروقي، بس قبل ما ألحق أرد، نجوى حطت إيدها فجأة على صدرها، وحاولت تمسك في الكرسي بس وقعت على الجنب.
صوت وقوعها كان يخض.
نزلت على ركبي جنبها فوراً، اتصلت بالإسعاف (123) ومشيت مع التعليمات اللي كان الموظف بيمشيها معايا. لما لقيتها قطعت نفس لثواني، بدأت أعملها إنعاش قلبي بإيدي.
ما فكرتش وقتها في الكعك، ولا في إهانتها لأمي، ولا في السنين اللي عملتني فيها معاملة قاسية. كل اللي كان في دماغي ساعتها إن الست دي ما تمـ,ـوتش تحت إيدي.
الإسعاف جات بسرعة، وفي الطريق للمستشفى فضلت أتصل بحسام. مرة.. اتنين.. خمسة.. عشرة.. أربعطاشر.
ولا رد.
لما وصلنا طوارئ مستشفى المهندسين، طلبت رقمه للمرة الخمسطاشر.
ساعتها رد.
—عايزة إيه تاني على المسا؟
—أنا في المستشفى، في مصيبة وحالة طارئة لازم تيجي فوراً!
سمعت صوت المزيكا العالية، وضحكة ست، وبعدين نفخة زهق منه:
—تاني أمك؟ يا سماح حلي عني بقى!
—الموضوع خطير جداً يا حسام، تعالى أرجوك!
ما إدانيش فرصة أكمل، وصرخ في الموبايل:
—لو أمك مـ,ـاتت الليلة دي، إياكي ترني عليا تاني! مشاكلها تلزمك أنتِ، مش تلزمني أنا!
وراح قافل السكة في وشي.
الدكتور خرج بعد دقائق:
—المدام نجوى عندها أزمة قلبية حادة. إحنا بنحاول نثبت حالتها حالياً، بس احتمال نحتاج ندخلها قسطرة ورعاية مركزة فوراً. محتاجين حد من أولادها ضروري عشان التاريخ المرضي والإمضاء على الإقرارات الطبية.
طلعتله رقم حسام ورقم أخته ليلى.
حسام كان قفل تليفونه خالص.
ليلى ردت وهي بتتقاعس ونعسانة:
—دلوقتي؟ أنا مسافرة الصبح بدري إسكندرية..
أنتِ هناك خلاص تصرفي يا سماح.
—دي أمك يا ليلى!
سكتت ثانية وقالت ببرود:
—ما أنتِ مرات ابنها وشغلتك تشيلي، ولا إيه؟
وراحت قافلة الخط هي كمان.
الدكتور دخل تاني بسرعة والدكاترة شغالة جوة مع نجوى في الرعاية الطبية. قعدت على كرسي في الانتظار لأول مرة طول الليل، ركبي مش شيلاني.
في اللحظة دي تليفوني اهتز.
كانت رسالة من دينا، زميلتي في الشركة: “سماح، أنا مش عارفة صح إني أبعتلك ده ولا لأ، بس حسيت إنك لازم تشوفي بنفسك.”
فتحت الصورة.
حسام كان قاعد في روف كافيه شهير في الزمالك، بيحضن وبيبوس ست أنا عارفة وشها كويس.
زميلته في قسم المبيعات.
نفس الضحكة اللي سمعتها في خلفية المكالمة.
وفي اللحظة دي بس، فهمت إن حسام في الليلة دي ما سابش أمه لوحدها وهي بين الحياة والمـ,ـوت بس…
ده كمان كشفلي عن حقيقته الوسخة، وشفت وش النذالة الكامل اللي كان مخبيه ورا قناعه.الجزء الثاني:
الساعة كانت ثلاثة الفجر لما الحجة نجوى جتلها اضطرابات شديدة في ضـ,ـربات القلب. الطاقم الطبي اتدخل فوراً وقدروا يلحقوها ويعدوا مرحلة الخطر، بس اتنقلت العناية المركزة والدكاترة أكدوا إن رحلة علاجها وشفائها هتكون طويلة.
أنا بالنسبة لي، كنت عملت كل اللي أقدر عليه وأكتر.
الساعة خمسة وتلت الصبح، حسام ظهر.
داخل يجري، قميصه مكرمش، ريحته كلها خمرة، ولابس نفس الجاكيت اللي كان لابسه في صورة الفندق.
من غير حتى ما يسلم ولا يبصلي، صرخ:
—أمي فين؟ قصد أقصد نسيبتي فين؟ أمك فين يا سماح؟
بصيتله ببرود وسكوت تام.
—أمي مش هنا.
كشر ووشه اتغير:
—أومال مين جوة؟
—أمك أنت.
الدم اتمسح من وشه في ثانية، واللون هرب منه.
جري على مكتب الاستقبال يسأل عن نجوى، ولما الدكتور شرحله إن أنا اللي طلبت الإسعاف، وعملتلها الإنعاش القلبي قبل ما يجوا، وفضلت سهرانة طول الليل مستنية حد من أهاليتها ييجي، حسام رجعلي بوش وعينين عمري ما هنساهم في حياتي.
ما كانش وشه فيه ذرة امتنان ولا شكر… كان كله غل وغضب!
—ولما هي أمي.. ما قلتيش ليه من الأول بوضوح إنها أمي أنا؟!
طلعت الموبايل من شنطتي وبصيت في عينه:
—قلتلك في مصيبة وحالة طارئة وترجيتك تيجي.. اتصلت بيك خمسطاشر مرة!
—بس أنتِ كنتِ عارفة وفاهمة إني افتكرتها أمك أنتِ!
—صح..
وكنت سامعة بردو كلامك وسمعت ردك لما افتكرت إن الست اللي بتمـ,ـوت هي الحاجة رضا أمي.
في اللحظة دي دخلت أخته ليلى وهي بتنهد ولابسة هدوم السفر:
—جرى إيه لأمي؟ —صرخت بتمثيل— ليه محدش لحقها من بدري؟
ولأول مرة من أربع سنين، ما حاولتش أدافع عن نفسي ولا أرد بكلمة.
فتحت التسجيل وسوست الموبايل.
صوت المزيكا العالية والضحك في الكافيه ملوا صالة الانتظار.. وبعدها طلع صوت حسام الواضح:
“لو أمك مـ,ـاتت الليلة دي، إياكي ترني عليا تاني! مشاكلها تلزمك أنتِ، مش تلزمني أنا.”
السكوت حل على المكان.. محدش نطق بحرف.
ليلى بصت لأخوها بذعر:
—أنت كنت فين؟
حسام فتح بؤه يحور، بس أنا رفعت الموبايل وفي وشهم الصورة اللي دينا بعتتهالي:
—كان في الزمالك.. مع نورهان سليمان.
ليلى عرفت البنت فوراً:
—نورهان؟ بتاعة المبيعات اللي معاك في الشركة؟
حسام حاول يمد إيده وياخد الموبايل مني بغشم، رجعت ورا وقلت بنبرة حادة:
—إياك تلمسني!
في الوقت ده خرج الدكتور عشان يبلغهم إن نجوى حالتها استقرت بس لسه تحت الملاحظة الدقيقة، وطلب من أودلاها يدخلوا عشان يتكلموا في تفاصيل العلاج.
أنا شلت شنطتي ومشيت.
حسام جه يجري ورايا لحد بره المستشفى:
—سماح استني! والله الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة!
ضحكت ضحكة مكتومة وسخرية:
—أنهي جزء بالضبط اللي فاهمة غلط؟ جزء خيانتك والست اللي معاك؟ ولا الخمسطاشر مكالمة اللي طنشتهم؟ ولا دعواتك ورغبتك إن أمي تمـ,ـوت لمجرد إنك افتكرتها هي اللي جوة؟
ما عرفش يترد بكلمة، ووقف لسانه معقود.
وأنا طالعة من باب المستشفى، جالي إشعار على الموبايل من بنك مصر. كان فيه حركة سحب وتحويل من الحساب المشترك اللي حسام ماسكه: تحويل شهري بمبلغ 18 ألف جنيه لشركة عقارات وتأجير.
فتحت كشف الحسابات القديمة.. الحركة دي بتتكرر بانتظام بقالها 7 شهور!
أنا عمري ما سمعت عن اسم الشركة دي.
الساعة ثمانية الصبح اتصلت بالبنك، ووقفت كل صلاحيات حسام ورجعت ملكية وإدارة حساباتي الشخصية ليا لوحدي. وبعدها قعدت أفتش في الإيميلات القديمة لحد ما لقيت إيصال إلكتروني حسام نسي يمسحه.
كان مكتوب في خانة البيان: “إيجار شقة 504”.
والعنوان كان في الزمالك… في نفس الشارع اللي فيه الكافيه!
الساعة 12 الظهر، كنت قاعدة في مكتب الأستاذة جيهان، محامية شاطرة دلتني عليها زميلتي. أخدت معايا كل كشوفات الحسابات، الرسائل، تسجيل المكالمة، الصورة، وعقد ملكية شقتي في الشروق اللي شرياها من مالي الخاص قبل الجواز وبنظام فصل الذمة المالية.
الأستاذة جيهان راجعت كل الورق والتفاصيل من غير ما تقاطعني.
في الآخر شاورت على التحويلات البنكية وقالت:
—الموضوع ده أكبر وأهم من مجرد خيانة زوجية يا مدام سماح. دي فيها تبديد واستيلاء على أموالك.. فيه فلوس من عرقك كانت بتخرج من حسابات هو بيتحكم فيها من غير علمك ولا موافقتك.
—يقدر يرجع الفلوس دي؟
—هنثبت ده بالورق ونطالب بكل مليم بالصح والقانون.
هزيت رأسي وقلت:
—أنا مش عايزة أؤذيه ولا أهد حياته.. أنا كل اللي عايزاه حقي اللي اتسرق مني وأطلع من القرف ده.
الأستاذة جيهان ابتسمت بهدوء:
—صدقيني، القرارات العاقلة والقانونية دي هي أكتر حاجة بتوجع وتقطم ظهر الناس اللي فاكرة إنها تقدر تسيطر وتستغل غيرها.
في نفس اليوم بعد الظهر، طلبت نجار غيرت كوالين وقفل شقتي في الشروق، لغيت كل الكروت الإضافية، ولميت كل هدومه ومقتنياته في شنطة وسبتها عند بواب العمارة عشان يجي ياخدها.
بس المفاجأة الكبيرة كانت لسه مستنياني…
بعد يومين، المحامية جيهان قدرت تطلع على صورة من عقد إيجار الشقة رقم 504.
اسم حسام ما كانش مكتوب في العقد كـ “مستأجر”.
المستأجرة الأصلية للشقة كانت: نورهان!
والمقدم والمبلغ المالي الكبير اللي اتدفع في الأول خالص…
كان من المكافأة السنوية (البونص) بتاعي أنا!
في اللحظة دي بالذات، بطلت أسأل نفسي إذا كان فيه أمل أصلح أو أنقذ الجوازة دي ولا لأ.
الحاجة الوحيدة اللي كانت شاغلة تفكيري هي: يا ترى سرقوا مني إيه تاني؟ واصلين لحد فين في النذالة والتخطيط؟
لو كنتم مكاني.. كنتم ممكن تسامحوا بعد ما تكتشفوا إن الشقة اللي متأجرة للغندورة مدفوعة من شقاكم وفلوسكم؟الجزء الأخير: