منوعات

صاحب الجلالة

بينما قبل قليل
دلفت سديم الى ذلك البنك، شعرت بتوجس من هيبة المكان الفخمة، فهو بنك إستثماري شهير…
إصتطدمت مع أحد المارة.. اعتذرت ثم أكملت سيرها نحو مكان الصرف… توقفت أمام أحد مكاتب الصرف ومدت يدها له بالشيك قائلة:
عاوزة أصرف الشيك ده. سحب الموظف الشيك قرأ المبلغ …ثم قرأ الاسم المكتوب أسفل الشيك…
توقفت عينيه لحظة… ثم رفع نظره إليها ببطء، نظرة مختلفة تمامًا عن النظرات الروتينية المعتادة.
حضرتك… سديم فؤاد عبد الحق. ارتبكت قليلًا من طريقته، لكنها أومأت:
ايوه.
انتصب في جلسته، ونبرة صوته تغيرت بشكل واضح معتذرًا:
ثواني بس.

أخذ الشيك ونهض من مكانه دون شرح، متجهًا إلى مكتب جانبي مغلق بزجاج… تحدث مع شخص بالداخل، بينما هي واقفة، قلبها بدأ يدق أسرع من غير سبب واضح…
مرت لحظات… طويلة…
ثم خرج الموظف مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن وحده… خرج معه رجل في منتصف الأربعينات، مظهره رسمي جدًا، وربطة عنقه متقنة بعناية…
تقدم نحوها بابتسامة لبقة قائلًا!
آنسة سديم. أومأت بحذر…
مد يده مصافحًا قائلًا:
أنا مدير الفرع. نظرت ليده ثم إليه باستغراب، صافحته بتردد
أشار نحو مكتبه قائلًا:
ياريت تتفضلي معايا لمكتبي لحظة.

بدأ القلق يتسلل إليها بوضوح، لكنها تحركت خلفه… جلست على المقعد أمام مكتبه، بينما هو جلس بهدوء وفتح الشيك أمامه مرة أخرى.
ثم رفع عينيه إليها مباشرة قائلًا:
الشيك ده… صادر من حساب خاص جدًا.
تجمدت ملامحها…
أكمل بهدوء محسوب:
والاسم اللي عليه… مش بيصدر شيكات بالشكل قصدي بالمبلغ ده لأي حد. ابتلعت ريقها، محاولة الحفاظ على ثباتها سألة: يعني إيه. مال للأمام قليلًا: قائلًا:
يعني… إحنا محتاجين نتأكد من مصدر الشيك… وإزاي وصل لحضرتك.

اتسعت عينيها فى صدمة سائله:
هو في مشكلة. ابتسم ابتسامة مطمئنة ظاهريًا قائلًا:
مش مشكلة…ده إجراء روتيني. ثم أضاف بنبرة أخف:
بس صدقيني… مش أي حد يقدر يصرف رقم زي ده… غير لما نفهم الصورة كاملة. نظرت للشيك مرة أخرى… وكأنها تراه لأول مرة فعلًا…
الاسم المكتوب عليه…
لم يكن مجرد رجل…
بل كان نفوذ… تسلل الى داخلها أن يكون هو أعطي للـ البنك أمر بعدم صرف الشيك…
لو حقًا فعل ذلك، إذن فقدت شرفها هباءًا بلا ثمن.
«يتبع»
🌷🌷

دومتم سالمين #صاحب_الجلالة “حاكم  بأمر هواه”
المُرافعة الثالثة
#سعادمحمدسلامه
❈-❈-❈
أسوان
عبر شاشة ذلك الحاسوب تنهدت غادة بضيق لكن حاولت رسم الهدوء قائلة بثبات إنفعالي:
“معتز” إنت لازم تنزل مصر تحضر زفاف ميراي.. دي أختك الوحيدة إنت وهي شُققة.. يعني إنت الأقرب لها.

إرتشف القليل من كوب القهوة قائلًا:
مش هينفع يا ماما، انا هنا محكوم ببعثة خاصة،  لو نزلت قبل نهاية المدة هكسر بنود التعاقد… ومش سهل أرجع تاني.
ساد صمتٌ ثقيل لثوانٍ، كأن المسافة بينهما عبر الشاشة اتسعت أكثر مما هي عليه بالفعل… رمقته غادة بنظرة طويلة، تحمل بين طياتها عتابًا مكتومًا، قبل أن تقول بصوت خافت لكنه نافذ:
يعني شغلك بقى أهم من أختك؟ أهم من فرحتها اللي كانت مستنياك تبقي جنبها فيها، كمان يعني إنت محتاج، اموال باباك تفتح لك مش بس مستشفي خاصة مستشفيات.

تنهد “معتز” ببطء، وأراح ظهره على المقعد، مرر يده في شعره بإرهاق واضح:
مش موضوع أهمية يا ماما… بس أنا هنا عشان مستقبلي، عشان أبني حاجة… كل ده هيروح لو خالفت الشروط… وعارف أموال بابا ممكن تفتح لىمستشفيات، بس مش هتديني إمتيازات البعثة دي… قاطعته بنبرة أقرب للـ العتاب :
وميراي مش من حقها تلاقي أخوها جنبها يوم زي ده. تردد لثواني  وكأن الكلمـ . ـات علقت في حلقه، قبل أن يقول بصوت شبه منخفض:
مهمه طبعًا يا ماما… أنا… هحاول أعوضها… هبعت هدية كبيرة، وهكلمها قبل الفرح…

ابتسمت غادة بسخرية موجوعة وقاطعته بإستهوان:
هدية إيه … هي مستنياك إنت، مش مستنية كارت وعليه إاسمك. صمت مرة أخرى… هذه المرة كان أطول، تنهدت بنرفزة..قائلة بحسم هادئ:
براحتك يا معتز… بس في حاجات لو راحت… ما بترجعش. قالت ذلك وبقصد منها أطفأت الشاشة قبل أن يمنحها ردًا… ليبقى “معتز” وحيدًا، يحدق في انعكاس صورته على زجاج، الحاسوب  متسائلًا لأول مرة:
هو فعلًا بيبني مستقبل… ولا بخسر حاجات أهم غصبً عاود هو الاتصال، بالحاح حتى فتحت الشاشة مرة أخري تتنهد بضجر وإستفزاز قائلة:
إيه فكرت وعرفت إن وقوفك جنب أختك اهم من الامتيازات اللى سهل تعوضها.

تنهد ببرودٍ مقتضب قائلًا.:
بلاش النبرة دي يا ماما، وبعدين عندكِ جلال… ما هو أخوها برضه… حتى هو أقوي صيط مني. تنفست بضيقٍ واضح، وردّت بنبرة حادة:
أيوه أخوها… بس مش شقيقها… ميفرقش معايا صيطه.. صمتت لحظة، ثم أردفت بنبرةٍ أخف لكنها أكثر عمقًا:
في فرق يا معتز… بين أخ موجود، وأخ سند. تراجع قليلًا في مقعده، وقال بتحفّظ: وجلال مش واقف جنبها وسند. هزّت رأسها بالنفي، وعيناها ثابتتان عليه قائلة: واقف… بس مش مكانك. في مواقف معينة… مفيش حد يملأ مكان حد فيها.

ثم أضافت بصوتٍ خافت يحمل وجعًا قديمًا: ميراي طول عمرها شايفة فيك حاجة أكبر من أخ… شايفاك أمانها. صمت، وكأن الكلمـ . ـات أصابت شيئًا داخله.
فأكملت بهدوءٍ حاسم: ويوم فرحها… مش وقت تعويض ولا بدائل… هي محتاجة “معتز” نفسه. ظل صامتًا لثواني، وعيناه تزوغان بعيدًا عن الشاشة، كأنه يحاول الهروب من قسوة  الكلمـ . ـات… ثم قال بصوت منخفض:
وأنا لو نزلت… ممكن أخسر كل اللي بنيته هنا. تنهدت غادة، لكن هذه المرة لم تجادله، فقط نظرت إليه طويلًا قبل أن تقول بهدوءٍ موجع: وفي حاجات يا معتز… لو خسرتها، ولا أي نجاح كيعوضها.

عقد حاجبيه بضيق قائلًا:
بتحطيني في اختيار صعب ليه يا ماما. ابتسمت ابتسامة خفيفة، تحمل استسلامًا أكثر من حزن قائلة برياء:
أنا مش بحطك في حاجة… الحياة هي اللي عملت كده. بس إنت اللي هتختار… إيه اللي يستاهل يتخاف عليه أكتر. مرر يده على وجهه بإرهاق، ثم قال:
أنا تعبت من الاختيارات دي.

ردّت بنبرة أكثر لينًا:
وهي كمان أختك ومن حقها تبقي جنبها فى ليلة زفافها تتباهي بيم.
.
ساد الصمت بينهما… صمت طويل، ثقيل، كأن كل كلمة قيلت ما زالت تتردد في الفراغ.
ثم سمع صوتها أخيرًا، خافتًا كأنها تخشى تمسكه بقراره:
ميراي ما طلبتش منك كتير يا معتز… بس المرة دي طلبت. أغلق عينيه للحظة، كأن صورة أخته في ذهنه أصبحت أوضح… بفستانها الأبيض، تلتفت حولها، تبحث عنه بين الوجوه…
فتح عينيه فجأة، وقال بنبرة مترددة:
الفرح… إمتى بالظبط.

رفعت عينيها إليه، تظهر  لمعة أمل حذرة قائلة: كمان شهر ويومين. ابتلع ريقه، وكأنه اتخذ نصف القرار فقط قائلًا: هشوف… لو في أي فرصة أرتب وضعي… هحاول أنزل.

لم تبتسم هذه المرة، فقط أومأت برأسها قاىلة :
حاول بجد… مش عشانها بس… عشانك إنت كمان.
وانتهت المكالمة… بعدما اصبحت غادة على يقين من إقتناع معتر، بينهما هو
مازال ينظر الى شاشة الحاسوب ، لا يجرؤ على  كأن قرارًا واحدًا، فقط، أصبح يفصل بينه وبين شيء لو خسره لن يعود كما كان.
❈-❈-❈
بالبنك.. توترت سديم حين سحب مدير البنك من يدها  الشيك ببطء،ثم  ضغط على زر داخلي، فدخل احد اموظفين.
ناوله الشيك قائلًا:
اتأكد من الرصيد… وابدأ إجراءات الصرف.

خرج الموظف، وعادت الغرفة للصمت…
صمت ثقيل، يجثم على صدرها…
مرت الدقائق بطيئة… أطول مما ينبغي…
وأخيرًا… عاد الموظف.
لكن هذه المرة… لم يكن وجهه طبيعيًا..
نظر إلى المدير أولًا… ثم إليها، قبل أن يقول بحذر:
يا أفندم… الحساب عليه قيود. شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحتها…
رفع المدير حاجبه بدهشة مُصطنعة قائلّا:
قيود إيه. رد الموظف.بتوضيح :
فيه تعليمـ . ـات مباشرة… بعدم صرف أي شيكات صادرة من الحساب ده حاليًا.

ساد صمت قـ,ـاتل… لم تنظر له… لم تستطع.
لكنها فهمت…
فهمت كل شيء… دون أن يُقال…
قبــ,,ـــــضت على طرف حقيبتها بقوة… حتى ابيضت أصابعها،
وصوت واحد فقط كان يتردد داخلها:
كانت كذبة مُتقنة. رفعت رأسها أخيرًا… لكن عينيها لم تعد كما كانت.
لم يعد فيهما صدمة…بل شيء أخطر بكثير
إدراك متأخر…وثمن دُفع كاملًا…مقابل لا شيء. فاقت من غفوة صورها لها عقلها… على يد مدير البنك فوق يدها يهزها بدهشة:
يا آنسة… يا آنسة.

أغمضت عينيها لوهة ثم فتحتهما باتساع
شهقت بسُعال حاد، كأنها خرجت لتوّها من غرقٍ مفاجئ… فتحت عينيها باتساع، تتلفت حولها بارتباك، بينما يد مدير البنك لا تزال فوق يدها يهزّها بقلق:
يا آنسة… يا آنسة، حضرتِك كويسة.
رمشت عدة مرات… كأنها تحاول طرد بقايا كابـ .ـوسٍ عالق بذهنها ، ابتلعت ريقها بصعوبة، وهمست بصوتٍ مبحوح:
أنا… أنا كويسة.
سحب المدير يده ببطء، ملامحه تحمل دهشة خفيفة:
شكلك اتوترتي زيادة عن اللزوم… بس مفيش داعي للقلق.

نظرت له بعدم فهم لثوانٍ… ثم انعقد حاجباها:  الشيك.
..
وقبل أن يُجيب…
دُق الباب طرقًا خفيفًا، ودخل الموظف يحمل الأوراق، وعلى وجهه ملامح طبيعية هذه المرة.
تقدم خطوة وقائلًا باحترام:
يا أفندم، الرصيد متاح… وتمت الموافقة على الصرف.
تجمّدت للحظة…
ثم التفتت بسرعة نحو المدير، كأنها تتأكد أن ما سمعته حقيقي.
أومأ لها بهدوء قائلًا:
اتفضلي… تقدري تستلمي المبلغ. سقطت الكلمـ . ـات عليها كالماء البارد… لكن ليس راحة خالصة، بل شيء ممزوج بارتباكٍ غريب.
مررت يدها على جبينها، وكأنها تتحسس الواقع قائلة باستفسار:
يعني… مفيش أي مشكلة.

رد الموظف بثقة:
لا يا أفندم، كله تمام. سادت لحظة صمت قصيرة…
لكن هذه المرة لم تكن ثقيلة كما في رأسها منذ قليل.
أخفضت عينيها للحظة…
تتذكر…
نظرات الشك… كلمة “قيود”… ذلك الإحساس القاسي بالخديعة…
ثم رفعت رأسها ببطء.
وأدركت…
كل هذا… لم يحدث.
كان مجرد ومضة خـ . ـوف… كابـ .ـوس سريع مرّ بعقلها في لحظة ضعف…
لكن رغم ذلك…
قلبها لم يهدأ…
قبــ,,ـــــضت على حقيبتها قليلًا… كأنها تتمسك بشيء ثابت، ثم قالت بنبرة أكثر تماسكًا:
تمام… خلصوا الإجراءات.
لكن داخلها…
كان هناك سؤال واحد لم يختفِ:
ليه أول حاجة عقلي راح لها… إنه خدعني.

سؤال… لم يكن بريئًا أبدًا. بعد قليل أمام أحد منافذ الصرف إستغربت ذلك المبلغ الكبير أمامها، تسألت. إيه المبلغ ده كله. أجابها:
ده المبلغ المكتوب فى الشيك متين وخمسين ألف جنيه. شهقت قائلة بتكرار وذهول
متين وخمسين ألف جنيه. أجابها:
أيوه يا أفندم الشيك أهو، أنتِ مقرتيش المبلغ. توترت هي بالفعل لم تقرأه، شبة شت عقلها لثواني ثم قالت بسؤال:
هو ممكن مصرفش غير خمسين ألف جنيه بس. اجابها:
طبعًا يا افندم، حسب رغبتك، ممكن تحطي باقي المبلغ فى حساب خاص بأسمك.

أومأت قائلة:
تمام.

انت في الصفحة 5 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى