– “مين؟”
محمود بتردد:
– “… ” لم يتغير وجه عثمان كثيرًا، لكن عينيه اشتعلتا بلهيب صامت. رفع رأسه قليلًا وكأنه يستعيد سيطرته، ثم قال بصوت بارد:
– “ولا كلمة لحد… هنتصرف على طريجتنا.” عاد إلى القاعة بخطوات ثابتة، وكأنه لم يسمع شيئًا. وقف عند المدخل، يراقب فريدة وهي تتحدث مع وتين بابتسامة، وكأنها لا تعرف أن خيوط لعبتها بدأت تنكشف. اقترب منها فجأة، وقال بصوت منخفض لا يسمعه غيرها:
– “تعالي معايا… عندي كلام مهم.”
ابتسمت فريدة بثقة وهي تنهض، متوقعة أن الامر لصالحها… لكنها لم تدرك أن الباب الذي ستدخل منه قد يكون بداية نهايتها. قاد عثمان فريدة إلى الجناح الشرقي للقصر، حيث الممرات شبه معزولة ولا يصل إليها إلا القليل من الخدم. فتح باب غرفة فسيحة ذات نوافذ كبيرة تطل على الحديقة الخلفية، وأشار لها بالدخول. جلست فريدة على الكرسي، تتفحص المكان بنظرات متأنية، بينما عثمان ظل واقفًا، يداه خلف ظهره وصوته هادئ لكنه محمَّل بمعانٍ مخفية:
– “كنت بفكر… الهجوم اللي حصل على وتين ممكن يكون وراه حد جريب… حد يعرف كل تحركاتها.”
ابتسمت فريدة بخفة، محاولة التظاهر بالدهشة:
– “يعني حد منينا؟ دي حاجة واعرة جوي يا عثمان.” اقترب خطوة، عينيه مثبتة على وجهها:
– “مش واعرة على اللي استاذ في التخفي… أو اللي بيعرف يبعث رسائل من غير ما حد ياخد باله.” شعرت فريدة لوهلة أن أنفاسها تعثرت، لكنها سرعان ما تمالكت نفسها:
– “رسائل؟ إنت تجصد لحاجة معينة؟” ابتسم عثمان ببرود:
– “أني مجصدش… أني مستني أشوف مين هيغلط الأول.” جلس أمامها، وأخرج من جيبه ظرفًا أبيض وضعه على الطاولة بينهما، لم يفتحه، ولم يشرح محتواه، لكنه تركه هناك كطُعم.
– “الغريب… إن اللي بعته فاكر إني مش هعرف.”
ظلت عيناها على الظرف، لكن يديها بقيتا ثابتتين في حجرها، وكأنها تحاول ألا تُظهر اهتمامها. نهض عثمان فجأة، واتجه نحو الباب:
– “هسيبك هنا دقيقة… فكرّي كويس قبل ما نكمّل كلامنا.” تركها وحدها مع الظرف، وعيناه من الخارج تراقبان من خلال فتحة صغيرة في الباب. كان يعرف أن الفضول قـ,ـاتل… وأن الشخص الذي سيحاول لمس الظرف قبل عودته، سيكون قد وضع نفسه في الفخ بإرادته.
اما عن وتين كانت وتين في غرفتها، تمشي ذهابا وايابا، لا تستطيع طرد الإحساس بأن شيئًا ثقيلًا يكاد يحدث. فُتح الباب فجأة، تزامنا مع دخول عثمان الذي نظر اليها بحنان مرددا :
– “إيه اللي مخليكي واجفة اكده؟” نظرت وتين إليه بغيرة واضحة، مرددة بصوت حاولت أن تُخفي ارتجافه:
– “كنت مع فريدة… مش كده؟” توقف عثمان عن التقدم خطوة، وعيناه تبحثان في وجهها:
– “إنتِ عارفة زين إن فريدة مرتي الأولى… ووجودها في حياتي ما كانش خيار.”
رفعت حاجبيها بحدة:
– “عارفة… لكن اللي مش فاهمه هو ليه لسه بتديها مساحة كده… وهي بتبصلك بطريقة أنا ما أقدرش أتحملها.” اقترب منها، ونبرته مزيج بين الحزم والهدوء:
– “الموضوع مش زي ما في بالك… فريدة جزء من ماضيّ، لكن إنتِ… إنتِ الحاضر اللي مش هسمح لحد يلمسه.” ابتسمت ابتسامة حزينة:
– “الماضي ساعات بيرجع بقـ,ـوة يا عثمان… ويمكن يك*سر الحاضر من غير ما ناخد بالنا.” مد يده ليمسك بيدها، وصوته أكثر دفئًا:
– “أنا مش هسمح للماضي إنه يك*سرنا… ولا حتى لو كان اسمه فريدة.”
لكن في أعماقها، بقيت وتين تشعر بوخز الغيرة والقلق، لأنها تعرف أن وجود فريدة في القصر يعني أن المعركة ليست مع الغرباء فقط… بل مع امرأة تعرف كيف تحتل قلب رجل، حتى لو لم تعد ملكة عليه بالكامل.
ابتعدت عنه تواليه ظهرها بضيق ليتنهد عثمان متقدما نحوها ، وضع يده بحنان علي ذراعها يلفها اليه ، مد يده رافعا وجهها نحوه ناظرا الي عيناها بحب :
“مبحبش اشوفك زعـ,ـلانة ومضايجه نفسك ياوتيني ”
نظرت اليه بعينان تلتمع بالـ,ـدموع ليلتقط يدها واضعا اياها فوق صدره من الجهة اليسري موضع قلبه مرددا :
“جلبي محبش ، ولا هيحب غيرك ياوتيني ، ده مدجش ولا عرفت ان عندي جلب غير اما حبك ” ابتسمت وتين ابتسامة صغيرة ممزوجة بالألم، ودموعها تترقرق في عينيها:
– “بس يا عثمان… هي كانت هنا قبلي، وعارفة كل حاجة عنك، ويمكن تعرف توصل لحاجات أنا معرفهاش.”
شدّ على يدها أكثر، وصوته يزداد دفئًا وحزمًا:
– “يمكن تعرف الماضي… لكن الحاضر والمستجبل ليكي إنتِ وبس، فاهمة؟ حتى لو الدنيا كلها حاولت تفرّجنا، أنا مش ههملك واصل.” تنهدت بعمق، وشعرت بحرارة كلمـ,,ــاته تصل لقلبها، لكن غصّة القلق لم تتركها تمامًا. همست:
– “أنا بخاف… بخاف أصحى ألاقيك بعيد عني.” اقترب منها أكثر، حتى شعرت بأنفاسه تلامس وجهها:
– “أنا وعدتك… واللي يوعد مرة، يوفي العمر كله.” مسح دمعتها بإبهامه، ثم جذبها إلى حضـ,,ــــنه، يحتضنها وكأنه يخبئها من العالم. بقيت بين ذراعيه لثوانٍ، تسمع فقط خفقات قلبه تحت يدها، تحاول تصديق أن ذلك القلب لن يشاركها فيه أحد.
لكن بعيدًا عنهما، في ركن معتم من القصر، كانت فريدة تراقب بصمت، وعيناها تحملان مزيجًا من الغيرة والعزم… وكأنها تخطط لشيء لن يترك لتين مجالًا للشعور بالأمان طويلًا…. الفصل 12 في الجناح الشرقي للقصر، ظل عثمان يراقب من خلال الفتحة الصغيرة في الباب.
كانت فريدة تحدّق في الظرف الأبيض أمامها. لم تتحرك في البداية، لكن ارتجاف أصابعها كان يكشف صراعها الداخلي.
مرّت ثوانٍ ثقيلة قبل أن تمد يدها ببطء، وكأنها تحارب نفسها، ثم لمست الظرف.
ارتسمت علي شفتي عثمان ابتسامة باردة ، وأمسك بمق*بض الباب، لكنّه لم يفتحه بعد.
اما عن فريدة لم تكتفِ باللمس؛ سحبت الظرف أمامها وحاولت فتحه، تتأكد إن كان يحمل ما تخشاه.
لحظة واحدة… وانفتح الباب بعنف. دخل عثمان بخطوات ثابتة، ينظر اليها بحدة : – “ماجدرتيش تستني لغاية مأرجع يا فريدة؟” ارتبكت فريده بخوف محاولة إعادة الظرف مكانه مردده : –
“اني كنت بس… حابة أشوف إيه اللي فيه.” اقترب منها بهدوء شديد ، ذلك النوع من الهدوء