ادلي الرجل برعب اوصف الشخص ،ليظل عثمان واقفًا للحظة، وكأن خيطًا ما بدأ يتضح في رأسه، ثم أشار بيده لأحد رجاله:
– “خدوه… محدش يجرّبله إلا بإذني.” عاد عثمان يصعد الدرج، ذهنه يعج بالاحتمالات، وملامح ذلك “الغريب” تتشكل في مخيلته كظلٍ ثقيل. وعندما فتح باب غرفته، وجد وتين جالسة على الأريكة، عيناها تتابعانه بقلق شديد. – “عثمان… إيه اللي حصل؟” اقترب منها، جلس بجانبها، وقال وهو يضع يده على يدها:
– “في حد بيلعب من ورا الضهر… بس أنا هسبج، وهجفله اللعبة دي.”
وتين بخوف :
– “و… لو كان من حد قريب؟” التمعت عينان عثمان بقسوة مرددا :
– “يبجى نهايته أسوأ من أي غريب.” كان صوته حادًا، لكن لمسته ظلت دافئة، وكأنها توازن بين الحنان والعزم. ومع ذلك، في أعماقه، كان يعلم أن الأيام القادمة لن تكون هادئة… بل ستكشف وجوهًا لم يكن يتوقع رؤيتها بين أعدائه. لم تكد وتين تلتقط أنفاسها بعد كلمـ,,ــات عثمان حتى سُمِع طرقٌ حاد على الباب. تبادل عثمان وتين نظرة سريعة، قبل أن ينهض ويفتح الباب بنفسه. كانت فريدة تقف هناك، بثوب أنيق ورائحة عطر قوية، ملامحها مزيج من القلق المصطنع والفضول المحرَّف.
– “عثمان… اني عايزة أطمن على وتين.” ردّ ببرود: “هي بخير… ومش محتاجة حد يزعجها دلوجتي.” لكن فريدة لم تنتظر إذنه، بل خطت إلى الداخل بخطوات محسوبة، وابتسامة باهتة على شفتيها وهي تتوجه نحو وتين.
– “الحمد لله على السلامة يا وتين… بس بصراحة، شكل الموضوع كان خطير أوي… مش كده؟” أجابت وتين، محاولة الحفاظ على هدوئها:
– “الحمد لله… ربنا ستر.” جلست فريدة على المقعد المقابل، نظراتها تتفحص وتين وكأنها تبحث عن شيء خفي:
– “بس غريبة أوي إن حد يحاول يأذيكي… هو إيه اللي يخليه يعمل كده؟”
تدخّل عثمان بصوت قاطع:
– “فريدة… الكلام ده مش وجته.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت: “أني بسأل عشان أطمن بس.” التقطت وتين لمحة في عيني فريدة… لم تكن نظرة تعاطف، بل نظرة أشبه بالانتصار الخفي، وكأنها تفرح لشيء لا تريد أن تُظهره. شعرت وتين بانقباض في صدرها، لكن آثرت الصمت. وقف عثمان، مشيرًا نحو الباب:
– “فريدة… أني محتاج أكلم وتين لوحدنا.” أومأت ببطء، ثم قالت وهي تهم بالمغادرة:
– “تمام… بس يا ريت تخلي بالك منها، شكلها حساسة جوي.”
أغلقت الباب خلفها، وساد صمت ثقيل للحظات.
التفتت وتين نحو عثمان،مردده بصوت منخفض:
– “هي… بتحبك، مش كده؟” نظر إليها طويلاً، ثم قال بلهجة حاسمة:
– “مش مهم هي بتحب مين… المهم أني بحب مين.” بعد خروج فريدة، ظل عثمان واقفًا قرب الباب، كأن عقله يزن الأمور ويعيد ترتيب القطع في لعبة شطرنج معقدة. كان يعلم أن الضر*بة لم تأتِ من خارج القصر وحده… هناك يدٌ أخرى تحرّك الخيوط من الداخل.
استدار نحو وتين، التي كانت تتابعه بعينين قَلقتين:
– “هتنزلي القاعة الكبيرة بعد شوية… هسيب معاكي رجالة من عندي، ومش عايزك تتحركي خطوة من غير ما أكون عارف.”
– “عثمان… أنا مش طفلة.”
– “عارف… بس المرة دي الموضوع مش هزار.” غادر الغرفة بخطوات ثابتة، واتجه مباشرة نحو الجناح الخلفي للقصر، حيث يقيم بعض الخدم والحراس. كان القبو ما يزال يحتفظ بالمأسور، لكن عثمان قرر أن يبدأ من أقرب الأشخاص إليه… من يعرفون أسرار البيت.
وقف أمام “محمود”، كبير الحراس، وقال بصرامة:
– “أنا عايز اعرف كل اللي دخل وخرج من باب الجصر من يومين لحد دلوجتي.” محمود بجمود:
– “حاضر يا باشا… بس فيه حاجة أني مكنتش حابب أجولها غير لما أتأكد.” عثمان بترقب :
– “جول.” محمود:
– “النهارده الصبح… شفت واحدة من الخدامـ,,ــات بتسلم ظرف لرجل واقف بره السور… وبمجرد ما شافتني، جريت.” تجمدت ملامح عثمان، وكأن الخيط الذي كان يبحث عنه بدأ يظهر، لكنه كان يعلم أن هذا الخيط قد يقوده لاكتشاف مؤلم.
– “هات الخدامة دي فورًا… ومحدش يعرف غيري.”
وفي تلك اللحظة، في القاعة الكبيرة، كانت وتين تجلس على الأريكة، تحيط بها عيون الفضول من بعض سكان القصر. دخلت فريدة مرة أخرى، وجلست على المقعد المقابل، وابتسامة هادئة تعلو وجهها، لكنها لم تصل إلى عينيها. – “سامعة يا وتين؟ بيجولوا عثمان نازل يدور مين اللي خان… يمكن يطلع حد جريب منك.” رفعت وتين رأسها بثبات، وردت:
– “وأنا واثقة… إن الحق بيبان في الآخر.”
قاد رجال عثمان الخادمة إلى غرفة جانبية بعيدة عن القاعة، وجهها شاحب، ويداها ترتجفان وهي تحاول تجنب النظر في عينيه. جلس عثمان أمامها، مسندًا ذراعيه على الطاولة، وصوته منخفض لكن حاد كالنصل:
– “الظرف اللي سلمتيه… كان فيه إيه؟” – “أنا… ما كنتش… قصدي أعمل حاجة وحشة.”
– “جاوبي.”
– “كان… رسالة… مكتوبة بخط إيد ست من القصر.” انحنى عثمان للأمام، وصوته صار أكثر خطورة:
– “مين الست دي؟” ابتلعت الخادمة ريقها، وعيناها تتسعان بخوف:
– “هي… هي الست …”
توقف الكلام فجأة، وكأن الخوف كبّل لسانها، لكن اسم “…” ظل معلقًا في الهواء كشرارة على وشك إشعال حريق.
نظر عثمان في عينيها طويلًا، ثم قال ببطء:
– “كمّلو معاها التحجيج… وأني عايز أسمع باجي الكلام بنفسي.” خرج من الغرفة، والخيط الذي ظل يبحث عنه بدأ يظهر بوضوح… لكن إذا كان ظنه صحيحًا، فالمعركة القادمة ستكون داخل جدران القصر نفسه. الفصل 11 توقّف عثمان أمام باب القاعة الكبيرة، أنفاسه بطيئة لكن صدره يعلو وينخفض بعنف من الداخل. فتح الباب بخطوة واحدة، وعيناه تلتقطان كل الوجوه… بعضها يعرفه منذ سنوات، وبعضها يقرأ فيه علامـ,,ــات الخوف والقلق.
وقفت فريدة فورًا، وكأنها كانت تنتظره:
– “عثمان… خير؟ وشك مش مريحني.” لم يرد عليها، بل مرّ بجانبها متجهًا نحو وتين. نظر إليها نظرة قصيرة، ثم التفت للحاضرين بصوت قوي:
– “من اللحظة دي… مفيش حد يطلع أو يدخل الجصر إلا بأمري.” تبادل الحاضرون نظرات متوترة، لكن لم يجرؤ أحد على الاعتراض. كانت عين عثمان لا تزال تبحث بين الوجوه، حتى توقفت لثانية على فريدة، قبل أن يتحرك مرة أخرى إلى الخارج. في الممر، لحق به محمود هامسًا:
– “يا باشا… الخدامة انهارت وجالت الاسم.”
توقف عثمان، وكأنه تجمد مكانه.