أومأ الطبيب موافقًا وغادر
بعد ما خرج الطبيب وأغلق عثمان الباب، ظل واقفًا للحظات يراقب وتين وهي تحاول تعديل جلستها على الفراش. كان في عينيه مزيج من القلق والحيرة، وكأنه يخفي سؤالًا أكبر من كل الكلام الذي قيل. اقترب وجلس بجوارها، صوته منخفض لكن نبرته حادة:
– “وتين… الرسالة اللي سبتيهالي جبل ما تختفي… كنتِ تجصدي بيها إيه؟” نظرت إليه بارتباك حقيقي، حاجباها انعقدا وهي تقول:
– “رسالة؟! أي رسالة يا عثمان؟”
تأمل وجهها مطولًا، يبحث عن أي علامة تكشف الكذب، لكنه لم يجد إلا ملامح متعبة ودهشة صافية.
– “الورجة… اللي مكتوب فيها إنك ما تجدريش تكمّلي معايا، وإنك ما ريداش ترجعي الجصر.” فتحت فمها بدهشة أكبر:
– “أنا ما كتبتش حاجة كده… ولا حتى شفت الورقة دي.” زاد عبوـ,,ــــسه، واقترب أكثر:
– “بتقولي إنك ما تعرفيش عنها حاجة؟”
وتين بصدق :
– “أقسم بالله ما أعرف، ومش أنا اللي كتبتها.” ظل ينظر إليها بصمت لثوانٍ، عيناه تشتعلان بأسئلة لا تنتهي، ثم تمتم بصوت منخفض وكأنه يحدث نفسه:
– “يبقى حد كان عايز يفرقنا… وحد قريب أوي.”
مد يده وأمسك يدها بقـ,ـوة، وكأنه يحاول طمأنتها أو طمأنة نفسه:
– “أنا هعرف مين عمل كده… وهخليه يندم إنه فكّر يلعب بينا.” رفعت عينيها إليه بخوف وفضول:
– “عثمان… تفتكر مين ممكن يعمل حاجة زي دي؟”
– “مش مهم تفتكري… المهم تسيبي الموضوع عليّ.” ثم مال نحوها، واضعًا يده على شعرها بحنان، وهمس:
– “مفيش حاجة هتبعدك عني… لا ورجة ولا ن*ار ولا موـ,,ــــت.”
ظل عثمان ممسكًا بيد وتين، وعيناه لا تفارق عينيها، كأنه يحاول حفظ ملامحها عن ظهر قلب. أزاح خصلة شعر عن وجهها برفق، وقال بصوت منخفض مليء بالحنان:
– “أنا ما يهمنيش مين كتب الرسالة… المهم إني لقيتك ورجعتك لحضـ,,ــــني.” ابتسمت بخفوت، والـ,ـدموع تلمع في عينيها:
– “وأنا… ما كنتش فاكرة إني هحس بالأمان تاني، غير لما شفتك.” اقترب منها حتى صار أنفاسه تلامس بشرتها، وهمس:
– “إنتي أماني أنا، يا وتين… من غيرك الدنيا فاضية.”
ثم قبّل جبينها قبلة طويلة، تلتها قبلة على يدها، قبل أن يسحبها برفق لتستقر في حضـ,,ــــنه، وهي تضع رأسها على صدره. أحاطها بذراعيه بإحكام، وصوته يغمرها بالدفء:
– “نامي وأنتي مطمّنة… طول ما أنا عايش، مش هسمح لأي حاجة تبعدك عني.” أغلقت عينيها، وقلبها يخفق مع ضر*بات قلبه، وهي تشعر أن هذه اللحظة وحدها كافية لتنسيها كل ما مرّت به. الفصل العاشر
كان الليل قد أرخى سدوله على القصر، والهواء البارد يتسلل عبر النوافذ العالية، حاملاً معه رائحة المطر البعيد. في الداخل، كانت الأضواء خافتة، وكأن المكان نفسه يتهيأ لما هو قادم. جلس عثمان على طرف الفراش، ينظر إلى وتين التي بدأت ملامحها تستعيد بعض الهدوء بعد ساعات من الفوضى. لكن عينيه لم تفارقهما تلك النظرة المترقبة، الحادة، التي تحمل خلفها يقظة لا تهدأ. هناك شخص ما يحاول الاقتراب أكثر مما ينبغي… شخص يعرف كيف يلعب بخيوط الخيـ,ـانة في الظلام.
قطع الصمت صوت طرقات خفيفة على الباب، تبعتها همسة مترددة من أحد رجاله:
– “باشا… الواد اللي مسكناه… جاهز للكلام.”
نهض عثمان، وقبل أن يخرج، التفت نحو وتين، صوته يختلط بالصرامة والحنان:
– “إوعي تتحركي من اهنه… فاهمة يا وتين؟”
نظرت وتين اليه بتردد قائلة :
– “بس أنا… قلبي مش مطمّن.”
انحني عثمان مقبلا رأسها هامسا بحب :
– “اطمني… طول ما أنا هنا، مفيش حاجة هتقربلك.” تركها وهو يخطو نحو القبو، خطواته ثابتة لكن عينيه تشتعلان كأنما يحملان وعدًا بالانتقام. كان القبو في أسفل القصر، معزولًا، والجدران السميكة تحفظ كل الأسرار التي دارت داخله عبر السنوات.
حين وصل، كان الرجل المأسور يجلس على كرسي حديدي، يداه موثقتان خلف ظهره، وقطرات العرق تتساقط من جبينه رغم برودة المكان. وقف عثمان أمامه، طويل القامة، مهيب الحضور، حتى بدا أن الهواء نفسه أصبح أثقل. – “مين بعتك؟” قالها عثمان بصوت منخفض لكنه نافذ.
الرجل برعب :
– “باشا… أنا… أنا ماعرفش اسمه…” – “ما تعرفش؟” اقترب خطوة، حتى صار وجهه على بعد أنفاس منه. “يعني إيه ما تعرفش، وانت داخل القصر وسط رجّالتي؟”
– “هو… بيبعتلي فلوس من غير ما يقابلني… كل اللي قالهولي… إني أخلّص على البنت بأي طريقة.”
تجمدت ملامح عثمان، لكن عينيه كانتا تراقبان كل حركة صغيرة صادرة منه
– “وصفه.”