منوعات

طوفان الدُرة ج2

سعاد محمد سلامة

﷽ #طوف.ان_الدُرة “ملحمة طو.فان هزمهُ العشق” الطوفان الخامس #سعادمحمدسلامه ❈-❈-❈ قبل ساعتين تقريبًا بأحد مطاعم القاهرة الفاخرة سحق عُقب السيجارة بالمنفضة ثم نهض واقفً يمد يده للمصافحة قائلًا: إتأخرت يا “شاهر” أبتسم شاهر قائلًا: إنت عارف زباين مكاتب المحامين بيبقوا رغايين… ربنا نجدك من المهنة دي..وبقيت راجل أعمال. ضحك طوفان وشعر بحنين لكن تهكم ساخرًا: يعني كان بمزاجي أبقي راجل اعمال ده كان آخر هدف أفكر فيه فى حياتي، أقعد خلينا نتعشي الأول. بعد قليل تساءل طوفان:

قولى المعلومـ . ـات اللى عندك عن دُرة. أجابه بتوضيح: دُرة عرضت الشقة اللى هنا للبيع. إستغرب طوفان ذلك قائلًا: يعني دُرة قررت تبيع الشقة اللى هنا، معني كده إنها خلاص قررت تستقر فى المنيا. أومأ له شاهر موافقًا:

أكيد… وده سبب كمان إنها بالتأكيد طلبت منك تسترد الأرض بأي تمن، الشقة إنت عارف إنها فى منطقة راقية وتمنها يفوق ضعف حق الأرض، كمان تقدر بسهولة تبيعها، واللى عرفته إنه جارها اللى كان قصادها كان سبق وعرض يشتريها، بس وقتها والدها رفض، قال إن الشقة تبقي موجودة هنا لهم ينزلوا فيها لما مامتها تجي عشان تزور والدتها وأخواتها، بس طبعًا دُرة الوحيدة اللى تقدر تتصرف وتبيع الشقة دلوقتي لأنها بإسمها، وأكيد طالما قررت ترجع تعيش فى المنيا الأرض أهم بالنسبة لها من شقة تقدر تستغني عنها لان فى بديل بيت جدتها والدة مامتها القديم موجود ومامتها لها حق فيه.

جذب طوفان سيجارة أخري وأشعلها نفث دخانها قائلًا: كل ده مفهوم، بس السؤال المهم… ليه رجوعها المنيا بالشكل المُفاجئ ده.. ليه عاوزة الأرض بأي تمن. نظر له الآخر نظرة ذات مغزى قبل أن يرد ببطء: أكيد عندها هدف.. دُرة مش هترمي فلوسها في الهوا، يبقى أكيد الأرض دي تفرق معاها بشكل كبير. ضيق عينيه وهو يفكر، ثم قال وهو يسحب نفسًا آخر من السيجارة: الأرض كان عليها نزاع زمان، فاكر أبوها دخل في مشاكل وصلت للمحاكم عشانها مع ولاد خاله… وحتى بعد ما استقرت باسمه باعها فورًا.

ابتسم شاهر ابتسامة جانبية وهو يرد: أيوه، بس في نقطة تانية لازم تفكر فيها… إنت متأكد إن رجوعها المنيا مجرد استقرار بس؟ ولا فيه سبب تاني؟ رفع حاجبه مستفهمًا، ثم ألقى بعقب سيجارته في المنفضة وهو يتمتم: متأكد فى سبب تاني وإنت عارفه يا شاهر. أومأ شاهر مؤكدًا، زفر طوفان نفسه وهو ينظر الى بصيص تلك السيجارة الأخري الذي أشعلها يشعر بوخزات قوية فى قلبه قائلًا: الحُكم فى قضية قتـ,ــ,ـل حسام وعمي مختار خلاص بعد أيام.

هز شاهر رأسه بآسف قائلًا: وإنت دارس عارف القانون كويس ممكن ثغرة صغيرة تنهي القضية من قبل ما تبتدي، يعني القانون مش هياخد القصاص المُناسب للجر.يمة. نفث طوفان الدخان ثم تنهد بعمق وهو يراقب الدخان يتلاشى في الهواء، كأن أفكاره تتبدد معه، ثم تمتم بأسف: القانون ساعات بيعمي عينه عن الحق، وساعات بيشوف اللي عاوز يشوفه بس… كمان الأدلة الجنائية وشاهدة الشهود فيها ثغرات. ألقى شاهر نظرة طويلة عليه، قبل أن يقول بنبرة هادئة لكنها مشحونة:

وإنت هتسيب الحكم يمشي زي ما إحنا متوقعين. ارتفع حاجباه قليلًا، ثم أسند ظهره إلى الكرسي قائلًا ببطء: القانون مش كل حاجة يا شاهر، وأحيانًا… العدل لازم يتاخد بإيدك…ومتأكد ده سبب من أسباب رجوع دُرة وإستقرارها فى المنيا،دُرة كانت مرتبطة جدًا بوالدها و…… توقف طوفان فأكمل شاهر: متأكد النصيب الأكبر لوالدها. نظر له طوفان يشعر بغصه قوية قائلًا: وحسام فرحهم كان بعد أيام من الحـ .ـادثة. رفق شاهر به قائلًا بتأكيد:

حسام كمان من ضمن الأسباب لكن السبب الأقوى والدها،والدليل أول محاولتها إسترداد الأرض،رغم إنها عارفة إن الأرض إتسببت قبل كده فى مشاكل كبيرة كان ممكن توصل  لولا لجوء والدها للقانون،الأرض دي كانت نزاع بين عيلتين ودُرة فى دماغها هدف أنا خايف منه…زيك بالظبط،الأرض دي طول ما هي تحت سيطرتك فى نزاع مكبوت. اومأ طوفان قائلًا: عارف ومش فاهم ليه دُرة الأرض دي بالذات مُصره عليها. نظر له شاهر بمغزي قائلًا: لاء إنت فاهم ليه هي مُصرة،وعشان كده حطيت لها شرط تعجيزي،رغم إنى متأكد إن نفسك دُرة توافق عالجواز.

نفث طوفان دخان السيجارة التى ارتجفت نيرانها بين أصابعه قبل أن يسحقها بعنـ .ـف في المنفضة، كأنما يسحق فكرة لم تكتمل بعد. ❈-❈-❈ بمنزل حاتم ذُهل من طلب والدته منه تعلثم للحظات قائلًا بدهشة ورفض: مستحيل… مستحيل يا ماما اللى إنتِ بتقوليه ده، دُرة طول عمرها زي أختي، حتى تعاملنا مع بعض كان محدود، مش زي تعاملها مع حسام. نظرت له بدمعة تفر من بين أهدابها تحرق قلبه: فكر يا حاتم، جلبي مش هيتحمل يشوف دُرة مع راجل تاني بعد أخوك غيرك إنت.

مازال مذهولًا، ضم رأس والدته بين يديه وقبلها قائلًا: أرجوكِ يا ماما بلاش تكتمي الحزن فى قلبك بالطريقة دي والتفكير ده، أنا ودُرة إحنا الإتنين صعب يكون بينا جواز، أنا مش بشوفها غير إنها خطيبة حسام اللى كان بيحلم باليوم اللى هيتجوزوا فيه، صحيح القدر إتغير، بس كمان متنسيش مشاعر دُرة كانت لـ حسام حتى لو مبقاش موجود هي الوحيدة اللى بتتحكم فى مشاعرها،إفرضي أنا وافقت وهي رفضت،وقتها… قاطعته والدته بحزم، رغم رعشة صوتها:

وجتها هكون عارفة إنها مش هتنظر لحد تاني بعد حسام، وساعتها هرتاح، لكن لو عندها استعداد تبدأ من جديد، فأنتَ أولى بيها، يا حاتم… مش عاوزة حد غريب ياخد مكان أخوك في حياتها. تنهد حاتم بعمق، يمرر يده في شعره بتوتر، ينظر إلى والدته بعينين مثقلتين بالحيرة: ماما… الحب والجواز مش لعبة نقرر موازينها، ودُرة من حقها تختار حياتها براحتها، وأنا… أنا مش شايف نفسي زوج ليها. ارتجف قلب والدته بقلق، أمسكت بيده بحنان وضغطت عليها بقوة كأنها تحاول نقل إحساسها إليه:

أنا مش بقول غصب، ولا عاوزاك تعمل حاجة ضد إرادتك أو إرادتها، بس فكر… فكر في دُرة كويس، شوفها بعيد عن كونها خطيبة أخوك، يمكن تقدر تغير مشاعرك ناحيتها. ابتلع حاتم ريقه، يشعر أن الحديث يضغط على روحه، لكنه لم يكن قادرًا على نطق رفض قاطع، ولا قبول حقيقي، فقط همس بصوت خافت: تمام يا ماما هحاول بس محتاج وقت قبل ما أقدر أقرر. هزت والدته رأسها بتفهم، رغم أن قلبها كان يشتعل بالخوف… ليس على دُرة فقط، بل على ابنها أيضًا.

غادرت الغرفة وتركت حاتم الذي تمدد على الفراش مره أخري بعد أن كان يشعر بالأرهاق البدني فقط إزداد إرهاقه النفسي أضعافًا، وكأن الكلمـ . ـات التي ألقتها والدته تركت ثقلاً جاثمًا فوق صدره… أغلق عينيه وهو يتنفس بعمق، لكن راحة النوم كانت بعيدة عنه. “دُرة” لم يفكر بها يومًا بتلك الطريقة، لم يتخيلها سوى الفتاة التي كانت مرتبطة بحسام، أخيه الذي رحل تاركًا فراغًا لا يُملأ… كيف له أن يفكر في أن يكون… مجرد الفكرة تثير داخله شعورًا بالذنب، وكأنها خيـ . ـانة لذكرى حسام.

انقلب على جانبه، يحدق في السقف بشرود… والدته كانت محقة بشيء واحد بالتأكيد بل من الممكن أن تحب دُرة رجلًا آخر؟ لا يعرف، لم يسبق أن رآها إلا في دائرة حسام، لم يتخيل يومًا أنها قد تكون لشخص آخر، وبالتأكيد لن يتخيلها له هو. حاول طرد كل الأفكار، لكن عقل لم يطاوعه، وقلبه بدأ ينبض بأسئلة لم يكن مستعدًا لمواجهتها…. نهض من فراشه بتوتر، كأن البقاء في مكانه يزيد من دوامة أفكاره… توجه إلى النافذة، يدس يديه في جيبي بنطاله.. يتنفس ببطء، يحاول استجماع شتات نفسه، يسأل عقله:

هل فكرت دُرة في الأمر… هل ترى الأمر مستحيلًا مثلي، أم أن الأمر مختلف بالنسبة لها. دُرة دائمًا كانت هادئة، متزنة، كذالك كانت غامضة… مشاعرها لـ حسام لم تكُن واضحة مثلهُ،لكن حين رأها آخر مره تبدوا بوضوح أنها حزينة جدًا، حتى حين ذكر حسام،تدمعت عينيها بالتأكيد السبب قسوة فقدانها له ، فكيف يمكن أن تفكر في رجُل آخر الآن. أغمض عينيه للحظة، يتذكر كيف كانت تنظر لـ حسام، نظراتها كانت واضح بها الحب والدفء… لم يسبق له أن رأى مثلها… شعورٌ غريب تسلل إليه، غير مريح، لكنه لم يستطع تسميته وهاتف يعبث برأسه:

أنا مش بحبها… مستحيل… ولا حتى فكرت فيها غير حبيبة حسام. هنا كان القرار سهلًا… لا داعي للحيرة دُرة ستظل بنفس المكانة. ❈-❈-❈ بمنزل دُرة شعرت بأرقٍ لم تستطع النوم رغم محاولاتها المتكررة… حديث طوفان ظل يتردد في رأسها كطيفٍ مزعج يأبى الرحيل. تأوهت باستهزاء من طلبه الزواج، كيف فكّر بذلك.. يبدو أنه فقد عقله تمامًا. تقلبت فوق الفراش، تحاول نفض تلك الأفكار بعيدًا واستجداء النوم، لكن لا فائدة، بل ازداد الأرق إحكامًا على جفونها… حين تذكرت نظرات ذلك الطبيب إليها… نظرات جعلتها تشعر بالنفور منه،لماذا شعرت بتلك الغصة في حلقها… لماذا أثرت بها تلك النظرات..

رفعت يدها اليسرى بغير وعي، ثم تجمدت حين وجدت بنصرها خالي من ذلك الخاتم نهضت سريعًا، قلبها ينبض بتوتر غير مبرر، وأشعلت باقي ضوء الغرفة، تتلفت حولها بجنون وهي تبحث عنه… راحت تمرر أناملها فوق سطح المنضدة بجانب السرير، رفعت الوسادة، نظرت أسفل السجادة، لكن لا أثر له. همست لنفسها بقلق: راحت فين الدبلة.. أنا مش بقلعها من فترة.

توقفت في منتصف الغرفة، شعرت بشيء ناقص، كأنها فقدت جزءًا منها دون أن تدري متى أو كيف… زفرت أنفاسها بعمق، محاولة تهدئة دقات قلبها المتسارعة، لكنها لم تستطع الهروب من ذلك الإحساس الغريب الذي تسلل إليها… إحساس بأن فقدان ذلك الخاتم يُعيدها لتتذكر ذلك اليوم الذي وصل لها خبر  والدها وحسام، كان مازال بداخلها جزءًا يرفض قبول رحيلهم، الآن تشعر بشعور الفقدان يزداد بداخلها… وعقلها يستوعب غصبً أن من يرحل لا تنتهي ذكراه لضياع خاتم، بالغد ستشتري خاتم آخر.

❈-❈-❈ بـ شقة رزان اسفل تلك البِناية، توقف طوفان بسيارته، ظل جالسًا بالسيارة يُنفث دخان تلك السيجارة، يشعر بمقت من نفسه ومن تلك الخطيئة الذي وقع بها، لكن كان بتلك الفترة كالسقيم ظن ان العلاج هو تناول دواء مُر قد يقضي على السقم أو  ، لكن لا ذاك ولا ذاك حدث العلاج كان خطأ جسيم لم يقضي على السقم

ولم يقـ,ــ,ـتُله أيضًا،بل زاد من عِلته وزاد وجعًا لا شفاء منه.. ظل يُحدق في الظلام الممتد أمامه، وكأنّه يبحث فيه عن بصيص يُعيد إليه شيئًا من راحته المفقودة… لكن الحقيقة كانت واضحة كضوء النهار، لا فرار منها ولا مهرب… كان العلاج خطأ، والندم تأخر… ألقى بقايا السيجارة من النافذة، راقبها وهي تتلاشى في العتمة، تمامًا كما تلاشت أوهامه بأن الحل يكمن في تصحيح تلك الخطيئة… زفر أنفاسه بعمق، بينما تسللت إلى صدره مرارة أشد من الدخان، مرارة الذنب الذي لا يغتفر…

رفع عينيه إلى البناية أمامه،لم يتردد عليه إنهاء ذلك الزواج الذي ظنَّه ذات يوم خلاصًا، لكنه لم يكن سوى قيد جديد يُكبّله… لم يكن حبًا، بل كان هروبًا، والآن عليه أن يدفع ثمن اندفاعه… قرار أصبح واجبً للتنفيذ… والخطوة التالية حتمية… بالفعل ضغط على نفسه وصعد الى تلك الشقة،

السابقانت في الصفحة 1 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى