لحظات قبل أن يرفع يده كي يدُق الجرس، تفاجئ بها تفتح باب الشقة تبستم وهي تستقبله بشوق، كأنها كانت تراه قبل أن يصعد هي كانت هكذا بالفعل رأته من خلف الشُرفة.. جذبته للداخل وسريعًا عانقته، حاولت تقبيله لكن كعادته يتمنع عن ذلك، رغم غصتها تغاضت عن ذلك وقبلت وجنتيه تُخبرهُ بمدى إشتياقها له، لكن هو كعادته باردًا معها وأمسكها من عضديها يدفعها للخلف محاولًا أن يكون لطيفً، ثم تركها وذهب الى تلك الأريكة وجلس عليها بثبات، بينما هي
توقفت للحظات تُحدق به، تُحاول استيعاب جفائه المعتاد، لكنها لم تستطع كبح مشاعرها فاقتربت وجلست بجانبه، عيناها تبحثان عن دفءٍ منه، أي شيء يُطمئنها أنه لم يأتِ ليُطفئ رغبته كعادته… جلست جواره تحاول الدلال عليه، لكنه كان أكثر برودًا، حاولت تقبل ذلك وبغباء منها سألته: مالك..واضح إن الايام اللى قضيتها فى المنيا الفترة الاخيرة قست قلبك. همست بذلك تحاول أن تفك شفرة صمته. نظر إليها نظرة عابرة، ثم زفر ببطء
لكنها لم تيأس ،رغم يقينها منذ أن دخل كم هو مُثقل بأفكاره، بعواطفه التي يُصر دائمًا على كبتها أمامها، فمدت يدها تلمس يده، لكنّه أبعدها برفق… شعرت بوخزات فى قلبها، جعلتها تقول بحزن وهي تُراقب عينيه التي تهرب منها: مالك يا طوفان حاسه أنك مش هنا… جسمك هنا، لكن روحك في حتة تاني. نهض من مكانه، يُحاول أن يجد لنفسه مفرًا من مواجهتها، لكنه لم يجد سوى الحائط المقابل يُحدق به كأنه أكثر أمانًا من نظراتها المتوسلة.
-انا جيت… ده كفاية، مش كده. قال ذلك بصوتٍ جاف، يعلم أنه يُوجعها لكنه لا يعرف كيف يُخفف من حدة المسافة التي تفصل بينهما رغم قربهما. ابتلعت المرارة في حلقها، بابتسامة ضعيفة راودت شفتيها وهي تقول بهدوء مستسلم: أيوه… كفاية. لكن في داخلها، كانت تعرف هنالك أمرًا ما..بالفعل لم ينتظر وإستدار ينظر لها،بعين خالية من المشاعر،ليس بها سوا البرود القـ,ـاتل لها وهو يتحدث بهدوء: قبل ما نتجوز عرفي، كان بينا إتفاق… إن يوم ما واحد فينا يختار الإنفصال التاني يتقبل بدون إعتراض.
تجمدت مقلتاها على ملامحه الجامدة، كأن كلمـ . ـاته صفعة قاسية على وجنتيها… لم يكن صوته يحمل ذرة انفعال، مجرد جملة مقتضبة تحمل حُكماً لا رجعة فيه.
بلعت ريقها بصعوبة، محاولةً أن تستوعب وقع كلمـ . ـاته… إتفاق؟ هل أصبحت مجرد بند في عقد، لا أكثر… هكذا هي كانت بالفعل… هذا الاتفاق كان موجودًا منذ البداية، لكنها لم تكن مستعدة لسماع هذه الكلمـ . ـات منه أبدًا… ليس بهذه البرودة… بل كانت تتمني أن يأخذ ذلك الزواج طريقًا آخر ويُعلن للنور بزواج رسمي، شعرت بمدى الخذلان يتسلل إلى أوصالها، وكأن كلمـ . ـاته كانت نصل حاد مزق آخر خيط من الأمل الذي كانت تتشبث به… هل كانت ساذجة إلى هذا الحد… هل ظنت للحظة أن ما بينهما قد يتجاوز كونه مجرد صفقة
تسارعت أنفاسها، ورفعت عينيها نحوه، تبحث في ملامحه عن أي بادرة تردد، أي شعور بالذنب، لكنها لم تجد سوى الجليد… برود قـ,ـاتل، قاسٍ، كأنه يطـ .ـعنها عمدًا دون أن يرمش له جفن… حاولت التنازل همست بصوت مرتجف، تحاول أن تتعلق بفرصة أخيرة -بس قاطعها بهدوء قاسٍ: مفيش بس… إحنا كنا عارفين إن اليوم ده ممكن يجي بأي وقت. رمقته بعينين زائغتين، تبحث فيهما عن شيء يكذب ما يقوله، عن أي أثر لما كان بينهما… لكنها لم تجد سوى الجمود… مشاعره دائمًا كانت واضحة بالبرود والجفاف..
حاولت أن تتحدث، أن تدافع عن كرامتها، لكن الكلمـ . ـات خانتها، تجمدت على طرف لسانها، تمامًا كما تجمد قلبها وهو يستوعب الحقيقة… بالنسبة له، لم تكن سوى بند في عقد، صفقة أُبرمت وانتهى الأمر. أغمضت عينيها للحظات قبل أن تفتحهما وتراه يُخرج من جيبه ورقة… نظر لها ببرود قائلًا: دي ورقة الجواز اللى معايا مبقاش لها لازمة.
قال ذلك ولم يُمزق الورقة بل مزق قلبها.. حقًا كان الطمع هو أحد أسباب موافقتها على تلك الزيجة الرخيصة، لكن لا تنكر أنها أحبته بكل بروده معها وجفاؤه والقليل من مشاعرهُ التى حتى لم تكُن موجودة بعلاقتهم الحميمية التى كانت تشعر أنه ينفُر منها أحيانًا كثيرة، كأنه لم يكُن يرغبها، لم يكن حبًا، لم يكن شغفًا، بل كان مجرد صفقة خاسرة لم تربح فيها سوى وجع قلبها، وفتات من اهتمامه الجاف… لديها يقين أنه كان هروبً…أو محاولة نسيان لامرأة تسُكن روحه منذ زمن.
أما هو، فكان بداخله يشعر بالذنب كلما اقترب منها، وكأن قربه منها خيـ . ـانة لمن تسُكن روحه منذ زمن… داخله يشعر بالشفقة على تلك التى تحجرت دموعها، وهي لم تستطع كُرهه…
ولا حتى التوقف عن التعلق به، رغم علمها أن قلبه ليس لها، ولن يكون أبدًا… لكن مقامها وقيمتها لن تجعلها تستجدي حُبهُ أو تطلب منه ما لا يستطيع منحه… كرامتها كانت أقوى من احتياجها، حتى وإن كان قلبها يذوي في حضرة جفائه… لكنها لم تعد تملك القوة للبقاء في علاقة تعلم جيدًا أنها تُهدرها، علاقة تُشبه قيدًا من حرير، ناعم الملمس لكنه يخنق أنفاسها… لم تعد تريده بجسده فقط، تريد روحه، قلبه، نظرته الدافئه الذي لم يمنحها لها يومًا، ولم تعد تحتمل أن تعيش كظل في حياته، مجرد امرأة فى الظِل دون أن تحمل مكانًا حقيقيًا في قلبه….
في تلك اللحظة، أدركت أن الرحيل ليس هزيمة، بل ربما نجاة… او بفِكر سيدة الأعمال المصلحة قبل المشاعر الواهية. ❈-❈-❈ بعد مرور أيام صباحً بمنزل طوفان على طاولة الفطار… شعرت وجدان بالضيق والضجر من تلك العوينات التى كانت حول عينيها، زفرت بضجر وسأم وهي تخلعها ثم وضعتها على الطاولة، نظرت لها جود سائلة: مالك قلعتي النضارة ليه يا ماما. أجابتها بضيق: بتوجع دماغي، كمان بحس عيني مزغللة أكتر… وكمان حاسة بخيال واقف على وشي. إبتسمت جود قائلة:
هي كده فى الاول بس يا ماما، بس مع الوقت هتتعودي عليها وتبقي كآنها شئ من وشك، أنا كنت كده لما عملت نظارة للمُذاكرة، بس مع الوقت إتعودت عليها. زفرت وجدان نفسها، بينما نظر لها طوفان ببسمة مؤكدًا حديث جود قائلًا: جود عندها حق، بس طالما مضايقة حضرتك ممكن نسأل الدكتور ونشوف لو ينفع تعملي عملية تصحيح نظر بدون نضارة. واقفته وجدان قائلة: يكون أحسن من النضارة. إبتسم لها كذالك هي تبسمت قائلة: هنادي على شُكرية،هي معاها إسم الدكتور ورقم موبايله.
أومأ مُبتسمً. بعد وقت قليل أمام مستشفي الرمد الحكومي… توقف طوفان بالسيارة،تنهد داخله بإشتياق منذ آخر لقاء بـ دُرة لم يراها،ربما هذه فرصة،بالفعل سريعًا ترجل من السيارة ودخل الى المشفى لكن فجأة توقف بالممر يشعر بخفقان قلبه، حين رأي
دُرة تخرج إحدى الغرف، تمسك بملف طبي بين يديها، بينما عيناها شاردة وكأنها غارقة في أفكارها… بدا عليها الإرهاق، أو ربما الحزن، لم يستطع التحديد.شعر طوفان بحرارة تتسلل إلى صدره، لم يتردد للحظة قبل أن يخطو نحوها، لكن فجأة، وقبل أن ينطق باسمها، خرج شخص من الغرفة ذاتها، وقف بجوارها وتحدث معها بصوت خافت… شيء ما في طريقة حديثهما، في المسافة القريبة بينهما، جعل الدماء تثور في عروقه… لم يُلاحظ ضيقها من حديث ذلك الطبيب السمج بالنسبة لها، ولا محاولتها التهرُب منه، لكن هو يجذبها بالحديث عن حالة ذلك المريض…
لحظات عيناه تُطلق إشعاعات نـ .ـارية… لم يعُد قادرًا على الصبر والغِيرة تفتك بعقلهُ بلا إهتمام بالعواقب لاحقًا، توجه بخطوات ثائرة إليهم، غير مبالٍ بنظرات الدهشة التي تلاحقه… كان كل ما يشغل باله هو انتزاعها من ذلك المشهد الذي أضرم النـ .ـار في صدره… توقف أمامها، عيناه مشتعلة بالغضب، شعرت بالتوتر لكن اظهرت الثبات سُرعان ما تحول ذلك الى غضب حين تواقح ووضع يده فوق مِعصم يدها يقبـ .ـض عليه بقوة وهو يجذبها للسير قائلًا:
عن إذنك، محتاج الدكتورة فى حاجة مهمة. رفعت رأسها باندهاش، مترددة بين مقاومته والانصياع لتلك السلطة التي يفرضها حضورُه الطاغي… لكن قبل أن تنطق، امتدت يده، لم يمنحها فرصة للرفض، وسحبها معه وسط أعين الماره مترقبة، وكأن العالم من حوله لم يعُد يعنيه… وهي تشعر بالغضب السحيق لكن لا تود إثارة شغب بالمشفى حاولت أن تحرر يدها من قبـ .ـضته، لكن أصابعه كانت كالقيد، تحكُم السيطرة عليه بقبـ .ـضة قوية… همست من بين أسنانها، بصوت منخفض لكنه مشحون بالغضب:
إنتَ بتعمل إيه إنت إتجننت سيب إيدي فورًا. لم يتوقف، ولم يلتفت إليها حتى، فقط استمر في سيره بخطوات ثابتة كأنها قرار لا رجعة فيه…حتى اجتاز الممر الطويل، غير مكترث بالأنظار الفضولية، حتى وصلا إلى أمام إحد الغرف الجانبية..بمجرد أن دخلا أغلق الباب خلفهما بقوة. توقفت تتنفس بتسارُع للحظات حتى شعرت بهدوء تنفسها نظرت له بغضب وعيونها تتوهج بانفعال، بنفس الوقت رفعت يديها تدفعه بعيدًا، قائلة بإستهجان وهي تنهج: مش هترتاح غير لما أمـ .ـوت بسببك، إنت إتجننت إيه اللى عملته ده.
لم يفك قبـ .ـضته يده على مِعصمها ، بل إزدادت قوة،كذالك ركز نظراته على ملامحها بجمود مريب. تعصبت عليه وعادت تدفعه بقوة قائلة: إيه جابك هنا المستشفي، إنت بتراقبني. غصبً أفلت يدها وعاد خطوات للخلف،يحاول أن يهدأ، لم تنتظر لحظة قبل أن تضغط على أسنانها بقوة،تتحدث بصوت خافت، تحاول الحفاظ على وقار المكان: وقاحتك زادت عن الحد…بأي حق تجرني وراك بالشكل. نظر إليها بحدة، كأنه غير قادر على احتواء الغضب الذي يعصف به، واقترب خطوة، لتشعر بأنفاسه الحارة قريبة من وجهها وهو يقول بصوت منخفض لكنه قـ,ـاتل:
وإنتِ إزاي تسمحي لنفسك توقفي مع الحيـ .ـوان اللى كنتِ واقفه معاه فى المَمر قدام الخلق اللى فى المستشفى، مين ده. اتسعت عيناها بدهشة،عادت خطوة للخلف، لكن لم يكن لديها ذرة استسلام… رفعت ذقنها بتحد، قائلة ببرود: وإنت مالك… مش من حقك تسألني… أنا حُره أقف مع اللى عايزاه فى أي مكان، قدام الناس او حتى فى أوضة مقفولة علينا. نهشت الغِيرة عقله، لمعت عيناه بتوهج غاضب ، وكأن كلمـ . ـاتها كانت الوقود الذي أشعل آخر فتيل غضبه … اقترب منها أكثر، حتى كادت المسافة بينهما تتلاشى، ثم قال بصوت مُنخفض مشحون بالتهديد مُباشرةً:
يبقى خليني أخلق حقي بنفسي… نظرت له بريية وهي تعود للخلف حتى إصتطدم ظهرها بالحائط، رغم ذلك تمثلت بالقوة الزائفة ورفعت ذقنها بتحدٍ، تحاول ألا تُظهر ارتجافة أنفاسها أو رعشة يديها التي أخفتها خلف ظهرها….، لكن سُرعان ما رفعت إحداهن تُشير له بإصبعها بتوعد: لو قربت مني هصرخ وألم عليك المستشفي وهخلى الامن يعمل لك محضر تعـ,ـدي، وكمان تحـ,ـرُش. غصبً ابتسم ابتسامة طفيفية، مُستهزءًا بسخرية مُكررًا كلمتها بإستقلال: تعدي وتحـ,ـرُش.
خفق قلبها بقوة من الريبة من ملامح وجهه،التى كانت أشبه بشفرة حادة تُهدد بجرحها دون أن تلمسها… مدّ يده إلى جوار رأسها، محاصرًا إياها تمامًا، ثم قال بنبرة أكثر عمقًا، أشبه بوعيد مكتوم: بلاش تستفزيني يا دُرة، بلاش توصليني إني افقد أعصابي. نظرت له بغضب قائلة: إفقد أعصابك ولا حياتك حتى متهمنيش وآخر مره تقرب مني. شدت قامتها بتحدٍّط رغم ارتجاف أنفاسها، أكملت بصوت حازم: بعد كده مش هتلاقي مني غير الرد بالطريقة اللي تستحقها.
لمعت عيناه بسخرية، اقترب أكثر حتى كادت أنفاسه تحرق المسافة بينهما، قال بصوت منخفض لكنه يحمل من الخطورة ما يكفي لإرباكها: مش أنا اللى محتاجلك يا دُرة إنت اللى عرضتي إسترداد الأرض وقولتلك التمن. قبـ .ـضت يدها بقوة تحاول ألا تستسلم لرعشة الغضب، دفعته من أمامها بقسوة، ثم استدارت مبتعدة، لكن صوته لحقها كطـ .ـعنة في الظهر: هنرجع نتقابل تاني.. ومش بعيد إنتِ اللي تطلبي نتقابل المرة الجاية. توقفت لحظة، لكنها لم تلتفت، فقط واصلت سيرها، محاولة ألا تدع كلمـ . ـاته تترك أثرًا في قرارها.
بينما شعر طوفان بغضب، خرج خلفها نظر لها وهي تسير، كذالك رأي ذلك الطبيب يدخل الى إحد الغرف، لم يُفكر وذهب نحو تلك الغرفه.. رغم الغضب المستعر بقلبه لكن تمثل بهدوء وإدعي الخطأ بخباثه منه علم إسم الطبيب، خرج من الغرفة يحاول ضبط أعصابه، أخرج هاتفه قام بإتصال قائلًا بأمر: هبعتلك إسم ساعة بالكتير عاوز أعرف تاريخ حياته. بعد وقت خرج من غرفة أحد الأطباء، أثناء سيره بالممر لمح ذلك الطيب شعر بغضب لكن لجم نفسه وغادر المشفى،ينتظر فقط معلومة عنه.
بعد حوالي ساعتين كان يجلس بمكتبه بالمصنع ينتظر ذلك الإتصال يسمع للآخر بإنصات: دكتور عيون، من الجيزة ومنقول هنا من حوالي ست شهور عنده عيادة شغالة كويس طبعًا من زباين المستشفي، مطلق وعنده بنت عايشة مع طليقته فى الجيزة وتقريبًا علاقته بها مُختصرة على نفقة بنته. زفر طوفان نفسه قائلًا: تمام. أغلق الهاتف فكر للحظات ثم بخباثة منه قام بإجراء إتصال آخر. بعد الترحيب وبعض العتاب من الشخص الآخر، ابتسم طوفان قائلًا: مشاغل والله لكن إنت عارف مكانتك عندي.
تجاذب الحديث بلباقة الى أن وصل الى هدفه فتحدث بدبلوماسية: أنا كنت فى مستشفى الرمد، وفى هناك دكتور مش من هنا، واضح إنه مضايق من وجوده هنا، يظهر كان بينه وبين مراته خلاف واضح إنه اتحل وعاوز يرجعها بس هي مش عاوزه تجي هنا، خلينا نقرب بينهم ونرجعه الجيزة تاني، أهو تساهم فى لم شمل أسرة. وافقه الآخر قائلًا بمدح: تمام، ربنا يصلح بين إيدك. أغلق الهاتف وضعه على المكتب أمامه ثم تنفس بهدوء قائلًا:
أما اشوف إيه آخر عِنادك يا دُرة. ❈-❈-❈ مضت عِدة أيام اليوم المُنتظر الطقس حار للغاية لكن ليست حرارة الشمس أقوي من حرارة الترقُب، لو أحرقت الشمس الأرض أهون من ذاك الترقُب المتوقع بآخر جلسة المحكمة وجود كاميرات إعلامية، تنقل تفاصيل تلك الجلسة القضائية المتهم فيها أحد شباب عائلة مهران المعروفة الاتهام إثنين من عائلتين مختلفتين والحضور بداخل القاعة مُختصر وترقُب أمني حذر ونشط بداخل القاعة جالت عين عزمي وهو يبحث عن طوفان الذي تأخر فى الحضور عمدًا، كما توقع
حضور دُرة ليس فقط دُرة بل أيضًا حاتم دخل آخرهم عيناه تُمشط القاعة حتى رأي دُرة تجلس فى المنتصف بين أخيها وحاتم لم يُبالي لذلك، وجلس جوار عزمي الذي إبتسم له، أومأ طوفان برأسه لحظات ودلف حاجب المحكمة يُعلن حضور القُضاة، وقف الجميع لحظات ثم جلسوا تحدث أحد القُضاة وهو ينظر نحو مكان وكيل النيابة قائلًا: قبل الحُكم هل النيابة عندها أي إعتراض أو تقديم مستندات جديدة تفيد حيثيات القضية. نفي وكيل النيابة، أومأ القاضي قائلًا:
تمام بما إن القضية خدت فترة طويلة قبل إصدار الحُكم فـقررت اللجنة القضائية بعد مدولات حيثيات وأدلة القضية كذالك شهادة الشهود قررنا بالإجماع… بنفس اللحظة أغمض حاتم عينيه، كذالك طوفان و دُرة كـ رد فعل واحد دون إتفاق بينهم بل توارد رد فعل لحُكم متوقع بحسم المصير، وكأن أرواحهم مُعلقة بين الرجاء والخوف… وضياع القصاص العادل فتح القاضي ملف القضية، تأمل الحاضرين للحظات، ثم نطق بصوت ثابت: “حكمت المحكمة…” في تلك الثانية، تسارعت نبضات قلوبهم، توترت أنفاسهم، تحجرت الدموع في عيني دُرة،كأنها تحاول التمسك بأمل واهٍ… بينما شد طوفان قبـ .ـضته، بينما حاتم.. فقد شعوره وكأن الزمن توقف،
الآن كلمـ . ـات القاضي التالية لن تكون تقرير لمصير القـ,ـاتل فقط،بل قد تكون طوفان هادر قد يُبدل مصائر الجميع. «يتبع» للحكاية بقية الفصل الجاي يوم الإتنين ﷽
#ط.وفان_الدُرة “ملحمة طو.فان هزمهُ العشق”
الطوفان السادس
#سعادمحمدسلامه
❈-❈-❈
بمنزل والد دُرة
القلق ينهش قلب كريمان،تشعر بالندم ليتها ذهبت معهم الى المحكمة ليس لمعرفة النُطق بالحُكم بل بالبقاء جانب أبنائها، القلق ينهشها أكتر من رد فعل دُرة، باسل لديه قُدرة فى التحكم فى أعصابه عكس دُرة مُندفعة للغاية وقت عصبيتها لا تُفكر وتفقد السيطرة على كلمـ .
ـاتها وتصرفاتها، مما قد يُفاقم الأمور… تتخيل أسوأ السينـ .ـاريوهات، تخشى أن تُقدم دُرة على تصرف طائش يُعقد الموقف أكثر… تُراقب عقارب الساعة وهي تتمنى لو بإمكانها تسريع الزمن، أو استعادت الوقت لتصحح قرارها وذهبت معهم، تُمسك هاتفها بتوتر، تُفكر في الاتصال بـ باسل، لكنها تراجعت، تعلم أنه قد لا يرُد في مثل هذه اللحظات.
تنهدت بأسي وهي تتذكر ليلة أمس، حاولت تهدئة دُرة وإقناعها بعدم حضور جلسة المحكمة لكن كان بلا جدوى، دُرة أشبه ببركان على وشك الانفجار، عيناها تلمعان بالغضب، وكلمـ . ـاتها تُقطر تحديًا… باسل كان هادئًا كعادته، لكن أحيانًا الصمت أسوء وأكثر إثارة للقلق من اظهار الانفعال…. أغلقت كريمان عينيها للحظة تحاول الثبات،سُرعان فتحتها على صوت رنين هاتفها ، إنتفضت يدها كذالك قلبها بصدرها قبل أن تفتح الهاتف… وترا هوية من يتصل… هل خاب توقع النُطق بالحُكم وتحققت العدالة بيظ القانون… أم أن الكارثة المتوقعة قد وقعت….
خاب ذلك حين علمت هوية المُتصل حاولت تمالك أعصابها، إلا أن ارتجافة خفيفة سرت في أطرافها رغمًا عنها… حدقت في الشاشة للحظات، ثم قامت بالرد:
مساء الخير يا ماما. تفوهت والدتها بقلق سألة:
إيه الأخبار عندك… عرفتي المحكمة حكمت بإيه. أجابتها بقلق مُستعر:
لاء، بندم ياريتني روحت معاهم، قلبي مش مطمن وخايفه من دُرة أكتر من باسل، باسل بيعرف يتحكم فى أعصابه، إنما دُرة إنتِ عارفاها، بتتعصب بسرعة… وتفقد سيطرتها على أعصابها. حاولت والدتها تهدئتها قائلة:
لاء متقلقيش إن شاء الله القانون هيحكم بالعدل و….
قاطع حديث والدتها صوت رنين الهاتف الأرضي للمنزل، دب القلق فى قلب كريمان وإنتفض جسدها برعشة قويه وتعلثمت فى الرد على والدتها وأغلقت الهاتف دون وعي منها، توقفت لحظات تنظر الى الهاتف الأرضي حتى توقف الرنين، ينبض قلبها بعنـ .ـف، ونظراتها لم تفارق الهاتف، كأنها تتوقع أن يدق مرة أخرى حاملاً معها خبرًا بالتأكيد سيُغير كل شيء… بالفعل عاود الرنين، سُرعان ما رفعت سماعة الهاتف، وهي تسمع حديث المحامي:
إحنا عملنا اللى علينا بس للآسف المحكمة لها، بالادلة والبراهين، كمان شهادة الشهود.
بعقلها أغلقت الهاتف لا تود سماع أكثر من ذلك ليتأكد حدس قلبها، والآن لابد من قرار أن لا تنتظر، بالفعل، أخذت هاتفها وكادت تخرج من المنزل لكن تصنمت مكانها حين رأت من يقترب منها، تفوهت بصوت مختنق:
إنت… اتسعت عيناها في ذهول، وقلبها يشتعل غضبً لم تكن تتوقع رؤيته هنا، في هذه اللحظة بالذات… كان وجهه جامدًا، يخفي وراءه شيئًا لا تستطيع قراءته، لكن نظراته كانت كفيلة بأن تتيقن أن العدالة إنتهي دورها بخسارة…وضياع الحق…والقادم إعصار.
❈-❈-❈-❈-❈
على الجانب الاخر بمنزل طوفان
بغرفة وجدان، ختمت قراءة القرآن، أغلقت المصحف ووضعته جانبًا، ثم نهضت من فوق الفراش… سارت بخطوات هادئة نحو شُرفة الغرفة، تنظر إلى الخارج داعبت الشمس القوية عينيها، فأغمضتهما سريعًا قبل أن تتراجع قليلًا إلى جانب به ظل يحميها من وهجها القاسي
عقلها لم يكن أقل اضطرابًا من قلبها، أفكارها تتشابك كسُحب صيفية ثقيلة توشك أن تمطر… على يقين أن هناك عاصفة تلوح في الأفق، لكنها لم تكن تملك سوى الانتظار، والمقاومة بصمت
رغم عِلمها أن القضية لا تمس طوفان مباشرةً، إلا أن القلق يضـ .ـرب قلبها بلا هوادة… تلك القضية قد
تكون إعصارًا يضـ .ـرب الجميع، لا يترك خلفه سوى الفوضى والدمار، وقد يدخل طوفان وسط ذلك، ويتحقق ما يُرعبها… أن يُرغم على الاندفاع نحو قلب العاصفة، حيث لا ملاذ ولا مفر….
كل الطرق تبدو محفوفة بالمخاطر، وكل الاحتمالات تقود إلى هاوية مجهولة… تنهدت بعمق، محاولةً كبح ارتجافة خفيفة تسللت إلى أناملها… عليها أن تجد مخرجًا قبل أن تبتلعهم العاصفة جميعًا…
والسؤال الذي لا إجابة له
ماذا تفعل، كي تبعد طوفان عن ذلك الإعصار القادم…
طوفان…
نطق إسمه قلبها
طوفان التي خافت أن يرث جحود والده أنقذته منه تسع أعوام شكلت شخصية أخري بعيدة عن مُبتغي والده القاسي، رغم كل ذلك الحذر بالنهاية كان القدر، الذي أجبره على التنازل عن أمنياته والإستسلام لرغبات وأمنيات والده حاول الهروب منها … لكن بلحظة فاز القدر وتحققت أمنيات والده،كأنها قدرًا موصود.
❈-❈-❈
المحكمة
الصمت للحظات كان كفيل بسماع دوي نبضات قلوب الجميع، وهم ينتظرون سماع الحُكم، حتى القاضي نفسه بداخله يشعر بآسف مصحوب بتوتر غريب، وكأن كلمـ . ـاته القادمة ستحمل ثُقل العالم على كاهله… كانت معظم العيون تنظر نحوه، تترقب بشغف ممزوج بالخوف، بينما الهواء في القاعة أصبح أثقل، يكاد يُسمع صوت الأنفاس المتلاحقة… رفع القاضي نظره عن الأوراق أمامه، تنحنح قليلًا، ثم قال بصوت هادئ لكنه حاسم:
“بعد النظر والمداولة في جميع الأدلة والاستماع إلى أقوال الشهود..”
ثم توقف للحظة، وكأنه يمنح الزمن فرصة للتمدد أكثر، يحاول التخفيف، قبل أن ينطق بالحكم الذي بالتأكيد سيُغير مصائر الجميع…
أستطرد حديثه:
حكمت المحكمة على المتهم
“وليد عزمي مهران”… حسب الدلائل
حيث أن كان بالخطأ ودفاع عن النفس،بالسجـ .ـنثلاث سنوات مع إيقاف التنفيذ مع بقاء حق النيابة فى إلاستئناف على الحُكم،كذالك من حق المُدعين بالحق طلب الإستئناف…. رفعت الجلسة. نهض القُضاة سريعًا غادروا القاعة
بينما أول من فتح عيناه طوفان ونظر نحو دُرة
شعر بإنقباض فى قلبه حين رأي تلك الدمعة تسيل فوق إحد وجنتيها، قبل أن تفتح عينيها وترفع إحد يديها تمسح تلك الدموع التى سالت من عين واحدة والثانية تحجرت الدموع بين أهدابها، تشعر كآن عينيها تشارك إنشطار قلبها،
ضاعت العدالة، وسط تهليل وزراغيد والدة ذلك المجرم القابع خلف القضبان يُهلل ويرقُص هو الآخر… لم تستطع النهوض ظلت جالسة، بينما باسل رغم شعوره بغصة تفتك بقلبه لكن مد يده ليساعدها على النهوض، لكن درة لم تستجب، وكأن قدميها إلتصقت في الأرض، تأبى الرحيل قبل أن تستوعب ما حدث…
نظرت إلى
القفص حيث يقف ذلك المجرم، يتراقص وكأنه يحتفل بنصرٍ عظيم مُستحق، بينما أمه تزغرد كأنها تزفّه لعُرس… في تلك اللحظة، لم تعد تفهم شيئًا، كيف يفرح الظالم بينما يُجلد قلوب المكلومين.. كيف تتساقط دموعها وحدها بينما يملأ ضحك ذلك المجرم القاعة. أما باسل، فكان يحاول جاهدًا أن يحتفظ بثباته، لكنه شعر بمرارة تهز كيانه… لكن خوفه الاكبر الآن على دُرة ورد فعلها حدق بوجهها رأى في عينيها كل الألم الذي لم تفصح عنه، وكل الظلـ .ـم الذي سقط عليهم كصخرةٍ ثقيلة…
بثبات ظاهري همس لها بصوت متحشرج:
دُرة قومي.
لكنه لم يجد منها سوى صمتًا جامدًا، وصورة فتاة أُنهِك قلبها من الظلـ .ـم، لكنه ما زال ينبض رغم كل شيء… بصعوبة بالغة جذبها باسل حتى إستطاعت الوقوف على قدميها، تسير لجواره… حتى توقف باسل حين توقف أمامه طوفان عيناه لا تفارق دُرة التى أصبحت مثل الدُمية بلا روح تُحرك قدميها، لكنها لا تعرف إلى أين… نظراتها تائهة، مُعلقة في اللاشيء… حتى لم تهتم أو بالأصح لم ترا وقوف طوفان ولا تجاهُل باسل له ومحايدته له يستكمل السير….
بينما حاتم منذ أن فتح عيناه على أصوات التهليل ثار عقله
شعر كأن شيئًا يُكبّله، لكن عقله هو الأكثر ضجيجًا…. من أين يأتي هذا التهليل..
ولماذا يشعر أن قلبه يضـ .ـرب بقوة كأنه سينفجر بلحظة
نهض ببطء، أنصت أكثر… كان الهتاف يعلو ثم يخفت، يتغلغل في مسامه، يوقظ داخله ذكرى قريبة و”حسام” يُخبره أنه لم يتبقي سوا أيام قليلة على زواجه وأحلامه بهذا اليوم،وتلقيه خبر بعد ساعات، شعر بضيق حاد في صدره، لا بل إعصارًا يُمزقه من الداخل… رفع يده إلى جبينه، وكأنه يحاول كتم الضجيج الذي يزداد داخله، لكن بلا فائدة… لحظة وأخرى ولم يُفكر وهو يقترب من ذاك القضبان الحديدي بلا تفكير، جذب سـ,ـلاحه الميري من فوق خصره وفتح صمام الامان،رفع سـ,ـلاحه، أنفاسه تتسارع كأنها تدفعه إلى الهاوية، لم يكن بحاجة إلى تفكير
إضافي، لقد اتخذ قراره… كأنه يُعلنها
“إن كانت عدالة القانون ضعيفة، فماذا عن عدالة الروح بالروح” تشنجت يده، وانحرف السـ,ـلاح قليلًا، ليرتد صوت رصاصة أصابت حديد القفص مدويًا في المكان…لم يهتم أنه على شفير الهاوية عيناه ثابتتين لا خوف فيهما، فقط يقين واحد، أن هذا هو القصاص العادل…
سريعًا تدخل الأمن وذهبوا نحوه جعلوه
يُخفض سـ,ـلاحه، لا يشعرون بكم الألم في الذي بصدره الثائر
صرخ فيهم قالها بصوت مشحون بالغضب والضياع:
حسام دمر فرحته.
مازال يقبـ .ـض على السـ,ـلاح بشدة، لكن بصعوبة سيطروا على إندفاعه، أخذوه الى خارج القاعة وضعوه بغرفة جانبية،تركوه وحده لحظات دقائق حتى حاول السيطرة على إندفاعه، أو هكذا ظن…
حين دخل الى الغرفة ذلك القائد ونظر نحو حاتم بلوم قائلًا:
إيه اللى حصل ده يا حضرة الضابط. كاد يعترض وهو يقول:
ده قـ,ـاتل يا أفندم، المحكمة كده بتكافئه مش بتعاقبه.
شعر القائد بآسف لكن هو ينفذ القانون، تنهد بآسف وهو يُربت على كتف حاتم:
أنا مقدر موقفك، بس إنت ظابط شرطة مهمتك هي تنفيذ القانون، وعشان حاسس بموقفك هتغاضي عن مُعاقبتك، وبلاش تندفع لسه القضية مخلصتش، لسه الإستئناف، وارد يحصل مفاجأة تغير مسار القضية، حاول تهدا، ودلوقتي أنا هسمح لك بأجازة يومين تحاول تهدا فيهم، إحنا رجال بتنفذ القانون. بداخله تهكم حاتم، فعن أي قانون يتحدث، عدالة ضالة… لكن تحكم فى ذاته وامأ للقائد بإستجابة واهيه لا أكثر.
❈-❈-❈