منوعات

طوفان الدُرة ج2

سعاد محمد سلامة

مر النهار كان صعبً على البعض وعلى البعض الآخر عكس ذلك
بشقة خاصة بأحد مُدن المنيا
وضعت تلك السيدة الأرجيلة وجلست جوارها أيضًا، تناول ذلك الجالس الخرطوم قائلة:
” الف مبروك  يا سي عزمي”. أخذ منها الخرطوم نفث دخان كثيف قائلًا بإستفسار:
مبروك على إيه يا” إبتهاج”. أجابته ببراءة:
على براءة سي وليد،مش هو طلع براءة من الجضية. ضيق بين عينيه سائلًا بنبرة إستفسار مصحوبة بنبرة شك:
وإنتِ عرفتي منين إن وليد خد براءة.

توترت إبتهاج قليلًا، لكنها حاولت السيطرة على نفسها سريعًا، فابتسمت وهي ترد بنبرة مُتحفظة:
الخبر انتشر في المنطقة، والناس كلها بتتكلم عنه. مش انت عارف إن الحاجات دي بتتنقل بسرعة. ظل عزمي يحدق فيها للحظات، ثم أعاد سحب نفسٍ عميق من الأرجيلة قائلًا بخباثة:
آه.. صحيح، الحاجات دي بتتنقل بسرعة، بس مش لأي حد. رغم محاولتها إخفاء ارتباكها، إلا أن يدها امتدت لا إراديًا نحو كوب الشاي الموضوع أمامها، رفعته إلى شفتيها لتخفي رعشة خفيفة، لكنها شعرت بنظراته تحاصرها… وهو يسألها بنبرة شك:
عرفتي منين يا إبتهاج.، إنتِ بتروحي فين من ورايا.

ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تضع الكوب على الطاولة، ثم قالت بتردد مصحوب بمحاولة للتملص:
والله عرفت  صدفة كنت فى السوق بشتري خُضار و سمعت الخبر وفرحت بيه. ابتسم عزمي نصف ابتسامة، تلك التي تحمل وراءها ألف سؤال وألف احتمال، ثم قال بنبرة بطيئة لكنها ثقيلة بالمعاني:
طيب يا سِت ابتهاج، لو سمعتِ حاجة تانية.. برضو قوليلي، ها. أومأت برأسها سريعًا، بينما كان قلبها يخفق بقوة، متساءلة إن كان قد صدقها أم أنه فقط يمنحها مساحة كافية لتورط نفسها أكثر…أخفت توترها الزائد وهي تنهض من على الأرض قائلة:
الفحم إنطفي هجيب غيره من المطبخ.

غابت عن عيناه بينما هو يتابع سحب نفس آخر من الأرجيلة ببطء، وعيناه مسلطتان على البخار المتصاعد أمامه، لكنه في الحقيقة لم يكن يرى الدخان، بل كان يحاول تحليل الموقف… إبتهاج مش ساذجة، وعمرها ما كانت تنقل كلام لمجرد النقل…فكّر في نفسه وهو يمرر أصابعه على لحيته القصيرة. حرك الخرطوم بين يديه، ثم ضـ .ـرب طرفه على حافة الطاولة بحركة غير مقصودة، وكأنها ترجمة لحيرته…
عاد بظهره للوراء، مسندًا رأسه للحائط، وهو يردد في داخله:
الموضوع مش داخل دماغي.

بنفس اللحظة، عادت ابتهاج تحمل بيدها ملقط الفحم وطبق صغير به قطع جديدة متوهجة، فوضعتهم على المنقد أمامه قبل أن ترفع نظرها إليه بحذر، متسائلة إن كان قد نسي حديثهما أم لا… لكنه باغتها بسؤال آخر، هذه المرة بنبرة أكثر هدوءًا لكنها أكثر ضغطًا أيضًا:
والناس كانت بتقول ايه فى السوق كمان. توترت إبتهاج مجاوبة:
معرفش أنا جولت اللى سمعته.

نظر لها بشك لكن أخفي ذلك وهو يضع خرطوم الأرجيله على الطاولة ثم جذبها على غفلة، شهقت بخضة سُرعان ما بدلت شهقتها الى ضحكة خليعة وهي ترا تلك النظرة التى تضُخ بالرغبة الشهوانية الواضحة ابتسم وهو يراقب ضحكتها ، قبل أن يمد يده ببطء، ينزع ذلك المئزر عن جسدها ،يُراقب ارتجاف أنفاسها الخافتة…ثم همس بصوت خفيض لكنه محمل بالضغط ذاته:
متأكدة إن ده كل اللي سمعتيه. أخفضت عينيها سريعًا وأومأت برأسها قائلة بصوت مهتز قليلًا:
هو ده اللي سمعته… والناس بتتكلم كتير، وكل واحد بيزود من عنده.

لم يقل شيئًا للحظات، فقط ظل يراقبها بصمت، يداه تسير تُعطي دافئًا لجلدها البارد تحت لمساته… التقط أنفاسها ببطء، وكأن صبره بدأ ينفد… وهو يُقبلها بشهوانية، ثم ترك شفتيها قائلًا:
ابقي  بعد كده ركزي كويس فى اللى بتسمعيه، وابقي قولي لي لو افتكرتي حاجة تانية، مفهوم.

رفعت وجهها إليه، تنظر له بنظرة مترددة تملأ عينيها، لكنها وجدت في عينيه شيئًا جعلها تبتلع ريقها ببطء… شيئًا جعل قلبها يضطرب من جديد… وأمأت رأسها بقبول… لمعت عيناه كأنه السيد وهي الخاضعة، شعور مُميز من تلك الرهبة الذى يراها بعينيها، شعور مفقود لديه مع زوجته الأولى وأم إبنيه التى يشعر أنها إمرأة جليدية بلا مشاعر أنثوية رقيقة، عكس تلك الخاضعة التى أسفله، شعور بالنقص هي تُكمله، بل تُغرقه فيه حتى ينسى كل ما افتقده من سطوة… يُدرك أنها ليست مجرد استسلام، بل استسلام مشوب بالخوف والتردد، لكنه استسلام رغم ذلك… نظر إليها بعينيه الحادتين، متلذذًا بذلك التباين بين قوتها الخارجية

وبين الرهبة التي تتملكها الآن… تلك الرجفة التي تسري في أوصالها لم تكن فقط من رهبة الموقف، بل من شيء آخر… شيء يجذبها نحوه رغم كل محاولات عقلها للهرب… تراه سيدًا بالفعل، ليس بالقوة فقط، بل بقدرته على جعلها تستجيب له، على أن يفرض حضوره الطاغي حتى دون أن يطلب.

أما هو فشعر بلذة الانتصار. لذة جعلته يزداد تعلقًا بها، ليس كحبيبة ، بل كإنسان يضفي عليه إحساسًا لم يعرفه من قبل… إحساسًا بأنثى تعترف به، تخشاه، وتتهاوى أمامه، رغم كل محاولاتها للصمود…لكن بهذه اللحظة هو السيد المُبجل.
❈-❈-❈
بمنزل والد دُرة
ليلًا
لم تستطيع كريمان النوم وهي تشعر بالخوف والقلق على دُرة، ردة فعلها الصامته توجع بشدة، ليتها تصرخ قد ترتاح من ذلك الثُقل على صدرها.. لامت نفسها لما إستسلمت لها و نهضت من فراشها متجهة إلى النافذة، علّها تجد في الظلام سـ .ـكينة تهدئ من روعها.

كان الليل هادئًا بشكل مخيف، لا صوت سوى دقات قلبها المتسارعة.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدها وهي تستعيد نظرات دُرة الشاحبة، صمتها الموجع، والبرود الذي غلف ملامحها كأنها تخلت عن كل شيء حتى عن الألم…
أغمضت عينيها بقوة، كأنها تحاول طرد أفكارها، لكن الشعور بالذنب كان ينهشها بلا رحمة… لماذا لم تصرّ على الحديث معها أكثر لماذا تركتها تغرق في صمتها دون أن تحاول كسر جدار الجمود التي تتظاهر به دُرة، والليل ينسحب حتى إقترب الفجر وهي مازالت جالسه تنظر الى ذلك الألبوم تارة تبتسم بعفوية وتارة تسيل دموع الفقدان المريرة…”مختار” تزوجا عن قصة حُب،رغم رفض والدته لها فى البداية بحِجة أنها ليست صعيدية “مصراوية”كما لقبتها”المصراوية الجريئة”
كيف لفتاة بمقتبل

العقد الثاني من عمرها وتتغرب بعيد عن أهلها من أجل وظيفة مُمرضة بأحد مشافي المنيا…لكنه كان القدر الذي جاء بها لتلتقي بحبيب عمرها الذي سـ,ـرق قلبها منذ اللحظة الأولى، بنظراته الواثقة وابتسامته الدافئة التي لم تفارق مخيلتها يومًا… مختار كان مختلفًا بروحه القوية واعتزازه بجذوره الصعيدية….

لم تبالِ بكلام والدته، ولا بالرفض الذي واجهته، فحبها له كان أقوى من أي اعتراض… لكن الحب وحده لم يكن كافيًا ليحميها من قسوة الأيام… كم تمنت لو أن الزمن توقف عند لحظات سعادتها معه ذكري ليلة زفافهم وخجلها الذي غمر وجنتيها حين همس باسمها لأول مرة بصوت يملؤه الشوق… كانت تلك الليلة حلمًا تجسد في الواقع، حيث اختلطت مشاعرها بين الفرح والخجل، وبين الخوف من المجهول والأمل بحياة دافئة في كنفه… لم تكن الأيام كلها، حُب فقط بل مشاعر مُتعددة بينهم، تشعبت بقلوبهم، زواج كان متوقع فشله بأشهر قليلة إستمر ونضج الحُب وتشعب لمشاعر كثيرة، فرحة أول طفلة كانت دُرة

شقاوتها وهي صغيرة تعلُقها بـ مختار، ذكري ميلاد باسل رغم صِغر عُمره لكن يمتاز بكثير من خِصال مُختار،
تنهدت كريمان وهي تقلب صفحات الألبوم، تراقب صور الماضي كأنها تبحث عن إجابة بين الذكريات… كانت دُرة أول ثمرة لهذا الحب، طفلة جميلة بعينيها السوداء الواسعتين، لكن شيئًا ما في تلك العيون تغيّر… أصبحت شاحبة، خاوية، كأنها تحمل همومًا ..

ذكريات إنتهت بدموع فُراق جائر، مُختار لم يكُن يستحق تلك النهاية البشعة على يد ذلك القـ,ـاتل القـ,ـذر، لكنه القدر
كم تمنت لو استطاعت أن تعود بالزمن إلى تلك اللحظات، حين كان يمسك بيديها برفق، يقسم لها أن تكون سعادتها غايته… ولكن الزمن لا يعود، والواقع لا يعرف الرحمة أغلقت الألبوم.. نهضت تشعر ببعض التقلُصات بظهرها، لم تهتم بها، وقررت الذهاب الى غرفة أول ثمرة جمعت بينها وبين مختار

أغلقت الألبوم ببطء، نظرت إلى خارج الشرفة…ظلام الليل يقترب على الرحيل
مازال ينتابها شعور القلق بل ينهش بضراوة، وضعت الالبوم على الطاولة ونهضت تعلم الى أين، بعد لحظات فتحت غرفة دُرة بهدوء، كانت الغرفة مُظلـ .ـمة للغاية، شعرت بتوجس وأشعلت الضوء، سُرعان ما خفق قلبها بشدة حين نظرت نحو الفراش كان فارغًا، تجولت عيناها بالغرفة، لم تكُن موجودة، شعرت بقلق سريعًا بدأت بالبحث عنها بين أركان المنزل لكن ليست موجودة، إزداد الخوف والقلق والتوجس، وعقلها يسأل بذهول…
أين ذهبت بهذا الوقت.
❈-❈-❈
أثناء سيرهُ سمع آنين بُكاء، ذهب نحوه سريعًا أشعل ضوء هاتفه ونظر أمامه بذهول قائلًا:

دُرة!
توقعت إنك تجي لهنا. نظرت له بكراهية حادة قائلة بإتهام مباشر:
إنت السبب، إنت كنت عارف إن الحُكم هيبقي ضعيف، عشان كده سلمت القـ,ـاتل للشرطة. أجابها وهو يقترب منها بدفاع:
أنا عملت اللى كان لازم يحصل… ومتأكد لو عمي مختار مكاني كان هيعمل نفس الشئ يا دُرة. نظرت له بإزدراء وقاطعته بشبه صُراخ:
متجبش سيرة بابا، إنت كداب، إنت خوفت على نفسك. توجع قلبه وأصبح المسافة صغيرة بينهما، لكنه لم يتراجع… أخذ نفسًا عميقًا محاولًا تهدئتها، لكن دموعها كانت تُخبره أن الغضب ليس الشيء الوحيد الذي تشعر به، بل الخذلان أيضًا.

دافع بصوت هادئ لكنه مُصر:
دُرة، أنا خوفت عليكِ وعلى باسل، مش على نفسي… كنت عارف إن القانون ممكن ميحققش  العدالة اللي كنتِ عايزاها، بس لو كنتِ خدتي حقك بإيدك، كنتِ هتضيعي حياتك. قهقهت بسخرية مُرة ومسحت دموعها بعنـ .ـف:
حياتي ضاعت من يوم ما بابا وحسام  .

غص قلبه بشدة، رغم أنه كان يتوقع تلك الكلمـ . ـات… نظر إلى وجهها المتعب، إلى عينيها اللتين رغم الغضب ما زالتا تحملان بريق الألم الذي يعرفه جيدًا توقفت أنفاسها للحظة، لكنها لم ترد،كآن عقلها تائه بين الغضب والحنين، بين الرغبة في الصراخ وبين الرغبة في كتمان ذلك الألم…
نبضات قلبها  قلبها تتسارع بعنـ .ـف، وكأنها تُذكرها بكل لحظة خذلان، بكل دمعة حبستها، وبكل صرخة لم تستطع إطلاقها… لم تكن تريد أن تظهر ضعفها أمامه، لكنها لم تستطع إخفاء ألمها أكثر.

شعر بتهتك نياط قلبه،مد يده إليها بأمل، وكأنه يقترب من نصل حاد قد يجرحه في أي لحظة، همس بصوت مبحوح:
دُرة… أنا مش عدوك. رفعت عينيها نحوه ببطء، كانت نظرتها مزيجًا من الاحتقار… تكرهه بقدر ما كانت تحتاج الى يد والدها الآن تنتشلها من ذلك التوهان يضمها يُضمد ذلك الوجع الذي يكاد يفتك بها وليته يفعل ذلك وتنتهي… بعين مغشية من كثرة الدموع، تفوهت بصرامة
إبعد عن طريقي يا طوفان، اللى بينا هو الدم اللى إنت ضيعت حقه…
فى اللحظة اللي سلمت فيها القـ,ـاتل بإيدك.

تصلبت كلمـ . ـاته في حلقه، شعر وكأنها أطلقت عليه رصاصة مباشرة إلى صدره، لكنه لم يتحرك… ظل ينظر إليها بعينين تحملان وجعًا لا يقل عن وجعها. قال بهدوء قـ,ـاتل، كأنه يحاول لملمة ما تبقى من روحه:
لو كان بإيدي كنت رجعت الزمن لورا… بس مكنش عندي اختيار تاني، دُرة. قهقهت مجددًا، لكن ضحكتها كانت أكثر وجعًا هذه المرة، ، وها هي تُعلن انسحابها، أو ربما هزيمتها أمام كل شيء:
لأ، كان عندك اختيار… بس اخترت إنك تفضل خاين

شعر وكأن كلمـ . ـاتها صفعت روحه، لكنها لم تكن المرة الأولى التي يُتهم فيها بالخيـ . ـانة، ولن تكون الأخيرة… لكنها الأكثر إيلامًا، الأكثر تمزيقًا لما تبقى منه… كأنها غرست خنجرًا في قلبه ثم أدارت النصل ببطء، لتتأكد من أنه لن يُشفى أبدًا.

«يتبع»
❈-❈-❈
❈-❈-❈
❈-❈-❈
﷽
#طوفان_الدُرة
الطوفان السابع
#سعادمحمدسلامه
❈-❈-❈
بمنزل حاتم بدران
أثناء دخوله الى المنزل وصل الى أذناه آنين بُكاء والدته التي تهذي بوجع…
شعر بانقباض في صدره وتسارُع في دقات قلبه، وكأن عبئًا ثقيلًا يجثم على صدره هرول نحو الغرفة التي تنبعث منها أنَّات والدته، عيناه تبحثان بقلق يعلم مصدر الألم الذي جعلعقلها يهذي بذاك الوجع،نظر الى ملامحها الشاحبة، عينيها المغرورقتان بالدموع، وشفتيها اللتان ترتجفان بكلمـ .

ـات مفهومة… اقترب منها، أمسك بيدها المرتجفة، وحاول تهدئتها… لكنها شهقت و بحرقة، فارتعش جفناه، وشعر بوخز الضمير ينهش صدره… لم يكن بحاجة إلى مزيد من التذكير بأنه، رغم حنكته القانونية، لم يتمكن من حماية من يحب…
تفوه بصوت خافت مليء بالقلق يحاول مواساتها:
ماما… أرجوكِ هدي نفسك… كده هتتعبي. نظرت له تُلقي
كافة اللوم على :
من يوم “طوفان مهران” ما سلم الجاتل للشُرطة وأنا جلبي كان حاسس إن غرضه يضيع الحق، كان باين عليه إنه بيوالس عشان كان بيغير من حسام أخوك.

اشتدت رعشة يدها وهي تضغط على أصابعه بقوة، وكأنها تتشبث بيقين غائب… تابع بنظراته دموعها المنهمرة، شعر بثقل الحزن الذي يعصف بقلبها، لكنه لم يعرف كيف يطمئنها، خاصةً وهو نفسه تائه بين الشكوك… لكن لم يفهم قولها الأخير فتسأل بإستفسار:
وطوفان كان بيغير من حسام ليه، اللى أعرفه كان بينهم وِد قديم. توترت والدته بإرتباك قائلة بتفسير:
مش جصدي، غيرة بمعني ” غيرة” جصدي
إنك عارف إن حسام كان معارض خالك إنه يبيع الأرض له، بس هو أقنع خالك وأشتراها منه… الأرض دي كِنز، قريبة من الماية، ريها سهل وأرضها خِصبة جوي.

تنهد حاتم بفهم قائلًا:
بس اللى أعرفه إن الأرض كان عليها خِلاف كبير بين عيلة “غُنيم” وعيلة”بدران” وكان ممكن يوصل لنزاع،ويجيب مشاكل كبيرة وخالي أكيد فكر أن بيبعها كده الخِلاف إنتهى، أرجوكِ يا ماما بلاش تعذبي نفسك أنا وبابا محتاحينك معانا، كمان حُسام مش هيبقي مرتاح فى قبـ .ـره وإنتِ في العذاب ده.. هو كان دايماً بيقول إنه نفسه يشوفنا عايشين في سلام، مش شايلين هم حاجة… إحنا محتاجينك، يا ماما.. أنا وبابا مش هنعرف نكمل لوحدنا، وإنتِ أكتر واحدة عارفة ده.

أخدت نفس عميق وهي بتحاول تكتم دموعها، رغم  صوتها المُرتعش وأومأت بأسي قائله:.
عارفة بس غصب عني  مش قادرة.. مش قادرة أنسى اللي حصل، مش قادرة أتصور إن كل ده حصل فى غمضة عين،حسام راح مننا كده بسهولة…قبل فرحه بأيام. شعر بغصة قويه تكاد تفتك بقلبه لكن تماسك وهو  يمسك يديها بحنان، قائلًا بحزم ممزوج بالرجاء:
عارف وجع قلبك يا ماما بس حسام أكيد مكنش هيتمني إنك  تعيشي في حزن وآسي، ولا إحنا كمان نقدر نتـ .ـحمل نشوفك كده… خلينا نحاول نضغط على قلوبنا، يمكن ربنا يهون علينا قسوة فُراق حسام.

تنهدت بوجع وهي تومئ برأسها تُربت على كتف حاتم الذي إرتمي بحـ .ـضنها، يتنفس بسخونة… لكن رفع رأسه عن صدرها، ينظر لها بإندهاش بعدما قالت له بنبرة رجاء:.
لو عاوز نـ .ـار جلبي تبرد إتجوز دُرة. نظر لها بصدمة قائلًا:
تاني يا ماما بتقولى نفس الكلام، سبق وقولتلك، أنا ودُرة عمرنا ما كنا قريبين من بعض حتى زي إخوات، كمان حتى لو أنا وافقت مش إحتمال هي ترفض. زفرت نفسها بأسي قائله:
أهو قولت احتمال… هي لسه صغيرة عشان خاطري وافق ولو هي رفضت أنا مش هطلب منك الطلب ده تاني.

إبتلع ريقه بقلة حيلة قائلًا بمهاودة:
حاضر يا ماما هفكر و… قاطعته بمحايله:
هتفكر فى إيه؟. أجابها بتوضيح:
ماما أنا مش بفكر فى الجواز أصلًا الفترة دي،ارجوكِ بلاش تضغطي عليا أكتر ما أنا مضغوط،بس الفترة دي وأوعدك أول ما أخد القرار هقول لحضرتك،بس دلوقتي خليني أركز في شغلي وافهم حياتي رايحة فين . نظرت إليه  نظرة طويلة قبل أن تومئ برأسها باستسلام ظاهري، لكن عينيها لمعتا بتصميم خفي وهي تقول بنبرة تحمل مزيجًا من الحنان والإصرار:
خلاص يا حبيبي، مش هضغط عليك، بس أنا واثقة إنك هتعرف إن انسب واحدة ليك هي دُرة.

هز رأسه متنهدا، وهو يعلم جيدًا أن والدته لا تستسلم بسهولة، لكنه في الوقت الحالي غير مستعد لهذا النقاش مجددًا.

بعد قليل
خرج من الحمام، القي تلك المنشفه التي كان يُجفف بها خصلات شعره على الفرش ثم تمدد عليه هاري الصدر،ينظر الى تلك اللمبة المتوهجة، صوئها عكس ما يشعر به من عتمة، تنهد ليس بندم لاول مرة منذ أن إلتحق بالشرطة يأخذ إنذار…
بداخله نطق إسم “طوفان” أيقن عقله
هو كان لديه خِبرة بالقانون وثغراته لذلك لجأ الى ذلك،
لكن رغم إلمامه بتلك الثغرات، لم يكن بوسعه سدّ فجوة الألم التي تسربت إلى قلبه .. وهو يطن برأسه نحيب والدته الذي يفر من شفتيها..

ظل مستلقيًا ، عيناه معلّقتان بالسقف، فيما تدور في رأسه دوامةٌ من الأفكار المتضاربة…
“طوفان نوح مهران”
هكذا نطق الإسم ثم إنتفض حين تذكر تلك البطاقة البنكية، نهض نحو خزانة ثيابه… فتح أحد الادراج بحث بين محتوياته حتى وجد تلك البطاقة، تأكد من تطابُق الإسم… زفر نفسه وهو يُفكر، ثم إهتدى عقله إلى حقيقة لم يتوقعها… كيف لم ينتبه من قبل.. كيف غفل عن هذا التفصيل الذي أمامه .. قبـ .ـض على البطاقة بإحكام، وشعر بقشعريرة تجتاح جسده، …عقلهُ يُرشده نحو خيط قد يكون بداية الحق.

❈-❈-❈
بذلك المكان
إقترب طوفان وجثي على ساقيه امامها بإستعطاف يمد يده قائلًا:
مش هدافع عن نفسي يا دُرة، لأني مُتأگد مهما قولت إنتِ مش هتصدقيني. رفعت رأسها نظرت نحو يده المُمدوة سُرعان ما إستهزأت وسـ .خرت من ذلك قائلة بنبرة باردة:
عشان إنت عارف إنك خاين وكداب.

ضحكة قصيرة، بلا روح، خرجت من بين شفتيه.. حاول لمس يدها، لكنها نفضت ذلك سحبت يدها بعيدًا، وكأن لمسة يده قد تحرقها…
ظل جاثيًا، عينيه تلمعان برجاء صامت، لكن دُرة لم تكن مستعدة لرؤية ذلك الرجاء، لم تكن مستعدة للاستسلام .. تنهد بأسف لكنه  يحمل داخله عاصفة من المشاعر المكبوتة… قائلًا بصوت هادئ:
أنا مش بطلب منك تصدقيني، بس بطلب منك تسمعيني. زحفت درة بظهرها للوراء، تشابكت ذراعيها أمام صدرها، وعيناها تحدق فيه بسخرية واضحة..مُستهزأة:
أسمعك؟ ليه؟ عشان تقولي كلام كله كدب .. إنت جبان يا طوفان.

ليست دموعها فقط هي ما تفتك بقلبه، بل كلمـ . ـاتها الهادرة لقلبه، لوهلة أغمض عيناه.. وأخذ نفسًا عميقًا، كأنه يحاول أن يلملم شتات روحه التي بعثرتها كلمـ . ـاتها… كآن وقعها عليه أشد من طـ .ـعنات خنجر مُسمم مغروس في صدره، وكل حرف نطقته كان يضـ .ـرب وريدًا نابضًا في قلبه… لحظة، تساءل إن كان الألم في صدره سببه كلمـ .

ـاتها أم دموعها التي تنهمر كالسيل الجارف، تُعري وجعها أمامه بلا حجاب… ومع ذلك، لم يستطيع النُطق، فقط أغمض عينيه، يود أن يهرب من الحقيقة، لوهلة إنخفضت يده التى تحمل الهاتف، فتسلط الضوء على يدها، بنفس اللحظة فتح عينيه على صوت شهقاتها المتقطعة، وبينما خفض يده التي تحمل الهاتف، تسلط الضوء على يدها، المغروسة في الرمل الأسود… في تلك اللحظة، عاد ببصره إليها، متأهبًا، حين بدأ السعال ينهش صدرها… لم يتردد، لم يهتم لاعتراضها أو رفضها، فقط اندفع نحوها، مدّ يديه وأطبق برفقٍ على عضديها، يجذبها للنهوض رغم مقاومتها، صوته جاء حاسمًا، متوسلًا:
دُرة، قومي معايا بلاش عناد.

قاومته بكل ما أوتيت من ضعف، ما زالت تسعل بين شهقاتها، وصوتها المخنوق بالدموع خرج متحشرجًا  بنهجان:
إبعد عني مالكش دعوة بيا، سيبني أنا عاوزه أفضل هنا جنب قبـ .ـر بابا، عاوزه أمـ .ـوت جنبهُ.

لم يستسلم، تشبث بها أكثر، وحين أدرك عنادها، دس يده في جيبه، أخرج علبة الدواء، قربها من شفتيها المرتجفتين. لكنها أطبقت فمها بإصرار، رافضة الاستسلام، بينما نظر إليها برجاء، وكأن حياته كلها مُعلقة على تلك اللحظة.
ضاقت عيناه بألم مكتوم وهو يراها تعاند حتى آخر رمق، ترفض الدواء وكأنها ترفض الحياة ذاتها… زم شفتيه بقوة، يحاول كبح غضبه، لكنه لم يتمالك نفسه أكثر، فقبـ .ـض على ذقنها برفق لكنه بحزم، محاولًا إجبارها على فتح فمها قائلًا  بضغط منه:
دُرة  ما تعانديش أكتر.

لكنها أدارَت وجهها بعناد، ودموعها تهطل بغزارة، تهز رأسها نفيًا وهي تهمس بيأس بين شهقاتها:
سيبني… مافيش حاجة فاضلة ليا في الدنيا دي بعد  بابا وحسام. انتفض قلبه بوجع، شعر بتمزق روحها يتغلغل في صدره، أراد أن يصرخ، أن يهزها بقوة حتى تدرك أن الحياة لم تنتهِ، لكنه بدلاً من ذلك، تنهد بعمق، أرخى يده عن وجهها، لكنه لم يبتعد… بل مال نحوها، حتى صار وجهه قريبًا جدًا منها، عينيه الغارقة بالحزن تلتقي بعينيها الممتلئتين بالدموع.

انت في الصفحة 3 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى