منوعات

مستشفى

حصري لصفحة روايات رولا
اليوم اللي المستشفى رفضت فيه كارتي عشان أدفع مصاريف عملية أمي، حسيت إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي.
​— يا مدام، الدفع مش راضي يمر. السيستم مدي إن مفيش رصيد كافي — الموظفة قالتها بصوت لطيف، بس في اللحظة دي كان طالعلي من مكان بعيد أوي.
​أنا كنت عارفة بالظبط في كام في الحساب ده: 428 ألف جنيه. جمعتهم قرش فوق قرش على مدار خمس أسابيع عشان أمي تقدر تعمل عملية في القلب. بعت عربيتي، وكفلت صندوق استثمار، واشتغلت شغل إضافي بالليل في التصميم والرقابة المالية، واستلفت من اتنين صاحباتي.

الصبح ده بالذات كنت مراجعة الرصيد قبل ما أخرج من البيت.
​428 ألف جنيه.
​بس دلوقتي الأبلكيشن كان كاتب 3,216 جنيه.
​أمي كانت قاعدة على بعد خطوات، حاضنة فولدر التحاليل والأشعة على صدرها. مكنش ينفع تشوف وشي عاملي ازاي.
​— أصل أكيد فيه مشكلة في البنك — قلت وأنا بحاول أبتسم بالعافية — بكرة هروح وأحلها.
​الاستقبال حجزلي ميعاد العملية لمدة 24 ساعة بالعافية. أخدت أمي وركبتها تاكسي وفضلت أكررلها متقلقش. وهي كالعادة كانت خايفة عليا.
​— لو المبلغ كبير يا شروق، ممكن نستنى أسبوع كمان.

​— لا يا أمي، إنتي مش هتستني ولا دقيقة.
​أول ما التاكسي مشي، فتحت أبلكيشن البنك تاني. فضلت أراجع التحويلات واحد واحد لحد ما لقيت تحويل اتعمل الساعة 2:17 الفجر.
​425 ألف جنيه.
​الجهة: حساب طارق، جوزي.
​جسمي كله سقع.
​طارق كان عارف إن الفلوس دي عشان العملية. شافني وأنا سهرانة بطول الليل. سمع مكالماتي مع دكتور القلب. كان عارف إن أمي، نادية، بقالها شهور مخبية عليا إن حالتها ساءت عشان متكونش حمل عليا.
​وكان عارف كمان حاجة توجع أكتر: هو مأداش فيها جنيه واحد.

​لما وصلت الشقة في التجمع، طارق كان قاعد قدام التلفزيون بياكل ولا على باله. حطيت الموبايل في وشه.
​— الفلوس فين؟
​بص للشاشة ووشه اتغير ثانية واحدة.
​— بعدين هفهمك.
​— لا، تفهمني دلوقتي.
​اتنهد بزهق:
​— متعمليش حوار يا شروق.
​الجملة دي خلتني أفهم إن الموضوع مكنش غلطة.
​— الفلوس دي كانت لعملية أمي.
​— عارف.

​— وبرضه حولتها؟
​طارق قام وقفل التلفزيون ببطء:
​— أبويا كمل سبعين سنة يوم السبت. وإخواتي سابوا كل تجهيزات الحفلة عليا. المعازيم جايين من ألكس ومن طنطا، وفي ناس قرايبنا وشركاء أبويا… مكنش ينفع أبان قدامهم قدام الناس إني بخيل أو معاييش.
​قعدت ثواني مش مستوعبة اللي بيتقال.
​— انت خدت فلوس عملية عشان تعمل بيها حفلة؟
​— دي مش “حفلة”. ده عيد ميلاد أبويا السبعين.
​فيه حاجة جوايا اتكسرت.
​على مدار أسابيع، طارق كان بيكررلي إنه مش هيقدر يساعدني عشان “المصاريف مشدودة”.

ولما كنت ببكي وأنا بحسب فاضلي كام، كان بيقول إن كل عيلة لازم تشيل شيلتها. في ليلة حتى سألني هي ليه أمي مش عاملة حساب للمرض والزمن.
​دلوقتي بس فهمت هو ليه فجأة بطل يسألني جمعت كام.
​— ترجعهم النهاردة.
​— مش هينفع.
​— ليه؟
​— عشان دفعت العربون للمكان وللفندق.
​— إلغيهم.
​— هخسر الفلوس.
​بصيتله وأنا مش مصدقة:
​— أمي ممكن تخسر حياتها!
​طارق كشر:
​— متأفوريش. الدكاترة طول عمرهم بيهولوا عشان ياخدوا فلوس بسرعة. وبعدين أمك ممكن تعمل العملية بعد العيد ميلاد، هي طارت؟ كلها كام يوم.

​طلعت موبايلي وحطيته مقلوب على الترابيزة. سجل الصوت كان شغال.
​— كررهالي تاني.
​— إيه؟
​— إنك خدت 425 ألف جنيه من حسابي، وانت عارف إنهم لعملية أمي.
​— ياه يا شروق…
​— قولها تاني.
​وهو متضايق، قالها.
​وبعدها زود حاجة قضت على جوازنا خالص:
​— إحنا متجوزين، وفلوسك هي فلوس البيت. أنا كنت هرجعهم بالراحة وحدة وحدة.
​مصرختش. معيطتش. حسيت بس إن الست اللي دخلت الشقة دي مش هي هي اللي واقفة دلوقتي.
​— فاضل كام؟
​طارق سكت.

​— فاضل كام من الـ 425 ألف بتوعي؟​— حوالي متين وحاجة.
​كده اكتشفت إنه حتى مأكلهمش كلهم في الحفلة. هو حول المبلغ كله لحسابه “عشان يدفع منه المصاريف” ولسه شايل الباقي عنده.
​مشيت من غير ما أقوله أنا رايحة فين.
​الليلة دي نمت عند أمي في الدقي. هي افتكرت إني اتخانقت مع طارق بسبب الضغط. محكيتلهاش الحقيقة. مش دلوقتي.
​وهي نايمة، أنا عملت ثلاث حاجات.
​أولاً، غيرت كل الباسوردات بتاعتي وقفلت أي وصول مشترك لحساباتي.
​ثانياً، أخدت سكرين شوتس من التحويل وبعت التسجيل على إيميلي ولاتنين صحابي أثق فيهم.

​ثالثاً، كلمت فريدة، صاحبتي المحامية اللي عرفتها من أيام جامعة القاهرة.
​لما خلصت سمعاني، قالتلي:
​— بكرة متروحيش تواجيهه لوحدك. ومتقوليلوش انتي ناوية تعملي إيه.
​ولأول مرة من ساعة ما شفت الرصيد، عرفت أتنفس.
​تاني يوم بدأت الحرب بجد.الساعة تمانية الصبح، كانت فريدة قاعدتي معايا في كافيه قدام المستشفى. فضلت تراجع كشوف الحسابات، والرسائل، والسكرين شوتس، والتسجيل الصوتي.
​— الأولوية دلوقتي لوالدتك — قالتلي — وبعد كده نشوف موضوع الجوازة دي.
​هزيت رأسي بالموافقة.
​العملية كان لازم تتدفع مصاريفها قبل الساعة أربعة العصر.

​بين فريدة، ومديرتي في شغل الحسابات، وواحدة من صاحباتي، قدرنا نجمع مبلغ سلفة سريعة يكفي عشان نكمل الدفع في نفس اليوم. حتى مديرتي أدتني مقدم شهرين من أتعاب مشروع جديد كنت لسه هبدأ فيه.
​لما الموظفة طبغت إيصال الاستلام، حطيت إيدي على الترابيزة عشان متكعبلش وأقع من التعب.
​العملية لسه في ميعادها وهتتعمل.
​بس وأنا مستنية أمي تخضع للتحضيرات، جالي سبع مكالمات من طارق.
​مردتش على ولا واحدة.
​في المكالمة الثامنة سابلي فويس:
​”انتي عملتي إيه في الكروت بتاعتي؟ مش عارف أدخل على كذا حاجة. كلميني.”
​الكروت بتاعتي.
​ده كان تفكيره.

​بعدها بشوية بعت رسالة تانية:
​”أمي بتسأل انتي أكدتي حضورك في عيد الميلاد ولا لسه؟ بلاش تعملي مشاكل الأسبوع ده.”
​وريت الموبايل لفريدة.
​— احفظي كل حاجة — قالتلي.
​العملية اتعملت تاني يوم. أمي دخلت غرفة العمليات الساعة ستة ونص الصبح.
​قبل ما ياخدوها، مسكت إيدي.
​— سامحيني يا شروق إن خليتك تتكلفي كل ده.
​وطيت وپست رأسها.
​— انتي ممدونة ليا بحاجة يا أمي. انتي اللي علمتيني أعيش، سيبيني أساعدك تفضلي معايا.
​بعد أربع ساعات، الدكتور خرج.
​— كل حاجة مشيت زي ما كنا متوقعين والحمد لله.

دي كانت أول مرة من يومين أعيط فيها.
​بس أول ما تطمنت إن أمي حالتها استقرت، فريدة أخدتني على مكتبها.
​وكان فيه مفاجأة.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى