منوعات

طليقي واختي ج2

نهاد قامت وقفت، وطلعت من الشنطة ملف بلاستيك أزرق وحطته قدام وكيل النيابة سيادة الرئيس، بنقدم لعدالتكم صورة طبق الأصل من عقود التوريد اللي وقعها المتهم بنفسه مع خمس شركات كبرى لمولات في القاهرة الجديدة والشيخ زايد، العقود دي كانت بتنص صراحة على إن الدفعات المالية بتتحول مباشرة للحساب المذكور، وكمان بنقدم كشف حساب بفيزا كارت صادرة من نفس الحساب، تم استخدامها في حجز صالة الأفراح، وشراء شبكة ألماز من محل مجوهرات شهير في مصر الجديدة بمبلغ مليون وثمانمائة ألف جنيه قبل أسبوعين من الواقعة، في الوقت اللي بيقدم فيه شهادات فقر للمحكمة ويدعي إنه غير قادر على دفع نفقة بنته

البالغة ألفين جنيه شهرياً.
وكيل النيابة بص في الورق، وبص لشريف بنظرة احتقار واضحة مليون و ألف شبكة، وبنتك مش لاقية تاكل؟ ده كلام ده يا راجل؟
شريف انهار، صوته بدأ يتقطع بالدموع يا فندم أنا غلطت.. أنا كنت بحمي شقايا، مريم كانت طمعانة وعايزة تاخد نص الشركة اللي أنا بنيتها بدم قلبي! أنا مستعد أسوي كل حاجة، مستعد أدفع كل الفلوس اللي هي عايزاها، بس بلاش حبس، بلاش أتحبس وتضيع سمعتي في السوق!
نهاد ردت ببرود قاتل الصلح ده كان زمان يا أستاذ شريف..

إحنا هنا مش في قضية نفقة عادية، إحنا قدام تهمة تزوير واستعمال محررات رسمية مزورة أمام القضاء، وده حق عام للدولة وحق خاص لموكلتي وبنتها.
وكيل النيابة كتب كلمتين في المحضر، وبعدين بص لأمين الشرطة اللي واقف على الباب حرز المستندات دي.. ويُحجز المتهم شريف عبد المنعم المنشاوي أربعة وعشرين ساعة على ذمة تحريات المباحث، مع تجديد حبسه لحين ورود تقرير الخبراء النهائي، ويُخطر البنك المركزي بالتحفظ الفوري على كافة أمواله المنقولة والسائلة والعقارية، وتعيين حارس قضائي على شركاته لضمان حقوق الصغار والدائنين.

أول ما أمين الشرطة حط الكلبشات في إيد شريف، صوت التكة بتاعة الحديد على معصمه كانت زي صدمة كهربا ضربت الكل. شريف صرخ بصوت عالي مريم! عشان خاطر بنتنا! متعمليش فيا كده! قولي كلمة يا مريم!
بصيتله للمرة الأخيرة، مكنتش حاسة بأي شماتة، كنت حاسة بس بشيء غريب.. كأن الراجل ده عمري ما شوفته، كأنه سراب واختفى من حياتي للأبد بنتك دي يا شريف، هي اللي كنت بتسرق أكل عيشها عشان تشتري بيه رضا غيرك. اللي عملته ده بإيدك، والقانون هو اللي هياخد حقها منك.
خرجنا من أوضة النيابة. أمي وأبويا كانوا واقفين مستنيين برة.

أول ما شافوا شريف متكلبش وفي إيده الحديد وأمين الشرطة جاره من دراعه ونازل بيه على الحجز، أمي صرخت ولطمت

على وشها يا ف.ضيحتك يا نهى! يا سواد ليلك يا بنتي! الراجل اتحبس!
أبويا قعد على دكة خشب في الممر، حط راسه بين إيديه وبدأ يبكي بصوت مكتوم وكتفه بيتهز، دموع راجل فهم متأخر إنه ضيع بيته وكرامته عشان يرضي غرور كداب.
أنا مشيت في الممر، خطوتي كانت ثابتة، مفيهاش ذرة ندم. نهاد مشيت جنبي وطبطبت على ضهري خلاص يا مريم، القضية اتقفلت. الحجز القضائي هيضمنلك متجمد النفقة بالكامل من الحسابات دي، غير نصيب فريدة المحفوظ بحكم القانون، وشريف هيدفع تمن كدبه سنين في المحاكم.
شكراً يا نهاد.. شكراً إنك صدقتيني لما الكل قالي أنتي بتتوهمي.

أنا مصدقتش كلامك.. أنا صدقت الأرقام، والأرقام عمرها ما بتكدب.
رجعت على بيتي في مدينة نصر. لما فتحت الباب، فريدة جرت عليا وحضنتني ماما! اتأخرتي ليه؟ شيلتها وضميتها لحضني جامد، شميت ريحة شعرها، وحسيت إن نبض قلبها بيهديني خلاص يا روح ماما، أنا رجعت، ومش هسيبك تاني أبداً، وكل حاجة هتبقى كويسة من هنا ورايح.
الشهور اللي بعد كده عدت بسرعة وببطء في نفس الوقت.
نهى مقدرتش تستحمل الف.ضيحة في المنطقة ولا وسط صحابها.

الفرح اللي كان المفروض يبقى حديث الموسم اتقلب لكابوس، الخطوبة اتفسخت رسمياً في المحاكم، والشبكة الألماز اتحرزت ضمن ممتلكات شريف المحجوز عليها قانوناً، لأنها اتسددت من فلوس مهربة ومتحفظ عليها. سمعت بعدين إنها دخلت في حالة عزلة، مبقتش تخرج من البيت، وفقدت كل الشلل التافهة اللي كانت بتتباها قدامهم.
أمي وأبويا حاولوا يتواصلوا معايا أكتر من مرة، بعتوا رسايل، وأبويا جه وقف تحت العمارة عايز يشوف فريدة وطلب مني أسامحه. مقفلتش الباب في وشه تماماً عشان صلة الرحم وعشان هو في الأول والآخر جد بنتي، بس الحدود اترسمت بخرسانة مسلحة؛

مفيش عشم، مفيش تدخل في حياتي، ومفيش كلمة زيادة يقدروا يقولوها عليا. فهموا إن البنت الغلبانة اللي كانت بتقعد في ركن الضلمة وتاكل في نفسها عشان متزعلش حد، ماتت واندفنت في الليلة المشؤومة ورا عمود القاعة.
أما شريف، فالمحكمة أصدرت حكمها ضده بحبسه سنتين مع الشغل والنفاذ بتهمة التزوير واستعمال أوراق مزورة للنصب والتهرب من أحكام قضائية، وتغريمه مبالغ ضخمة، غير إن الحارس القضائي صفي جزء من الشركة وسدد كل متجمد نفقة فريدة بمبلغ محترم اتحط في حساب توفير مقفول باسمها في البنك تحت وصايتي أنا، وميفتحهوش غيرها لما تكمل سن الرشد.

بعد سنة كاملة من اليوم ده، كنت واقفة في بلكونة شقتي الجديدة في المعادي. شقة واسعة، بتطل على حتة خضرة وشجر عالي، الشمس داخلة مالية الصالة من كل حتة. فريدة كانت قاعدة على سجادة الصالة بتلون في كراسة الرسم وتضحك مع صاحبتها في المدرسة.
مسكت الأجندة الخضراء الصغيرة اللي في إيدي. كانت مليانة أرقام وحسابات، وتواريخ، وملاحظات، وألم سنة ونص.
قربت من المطبخ، ولعت عين البوتاجاز الصغيرة، ومسكت أول طرف من الأجندة وقربته من النار. النار مسكت في الورق وبدأت تاكل الأرقام بهدوء.

رميت الأجندة في طاسة قديمة، ووقفت أتفرج على الدخان وهو بيتصاعد، بيحرق كل ذكريات القهر، والظلم، وحسابات الماضي اللي اتسدت كلها بالمليم، قرش بينطح قرش.
الرماد طار في الهوا، والشمس ملّت وشي بنور دافي. بصيت لفريدة وابتسمت، وقولت لنفسي بصوت عالي سمعه قلبي بس الحساب خلص، والصفحة اتقفلت.. ودلوقتي بس، نقدر نبدأ نعيش.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى