ولاده التؤام شريف خرج من المستشفى وهو حاسس إنه ملك العالم، سايب وراه ست فاكرها مكسورة ومستسلمة، ورايح لرانيا وأهله يزف لهم خبر “النصر”. بس اللي مكنش يعرفه، إن العاصفة لما بتبدأ في الهدوء، بتبقى أشد وأشرــ,,ـــــس. بعد ساعتين بس من مكالمتي للواء، باب الأوضة اتفتح. ما دخلتش الممرضة Daniela ولا دكتور الأطفال.. دخل راجل بجاكيت أسود طويل، شعره أبيض مظبوط بالمسطرة، وعينيه فيها نظرة حادة ما تخطئهاش. ده كان المستشار فتحي الجمال، المباشر للخدمات القانونية والأزمات الخاصة بالهيئة. ووراه ممرضة خاصة وعربيتين حراسة واقفين تحت المستشفى.
وقف قدام السر,,ـــــير وقدم لي التحية بوقار:— حمد الله على سلامتك يا فندم. مبروك ياسمين وسيف. الأوامر صدـ,,ـــرت بنقلك فوراً لمستشفى الجلاء العسكري لتوفير أقصى درجات الرعاية لكِ وللأطفال، والملف القانوني بالكامل بقى تحت إيدينا. هزيت رأسي وأنا بضم ياسمين لصدـ,,ـــري:— البيت الأول يا سيادة المستشار.. بيت المطرية. مش عايزة طوبة واحدة تنقص، ومش عايزة حد يتبلغ بحاجة غير في الوقت المناسب. ابتسم فتحي ابتسامة خفيفة فيها دهاء:— الورق اتراجع، وخلال 48 ساعة، الإخلاء الإداري وتفعيل عقود الملكية الصريحة هيتوجه للعنوان. بس أحب أبلغك..
البنك أرسل إخطار رسمي بإن رانيا حاولت النهاردة الصبح تقدم تفويض مزور للتعامل على العقار باعتبارها وكيلة عن والد شريف. ضحكت بصوت واطي، ضحكة طالعة من وسط وجع القيصرية:— غبية.. افتكرت إن السرقة بالسهولة دي. سيبها تغرق نفسها أكتر. في نفس الوقت، في فيلا رانيا في التجمع، كان شريف قاعد حاطط رجل على رجل، ماسك كاس العصير وبيضحك مع أمه وأبوه ورانيا.— خلاص يا بابا! رميت لها الورق ومضت زي الكلبة! ولا فتحت بؤها!
عيال مين اللي تفتح بؤها فيهم؟ أنا هاخد سيف، وهي تاخد البنت وتسرح بيها. أم شريف، الحجة كثرية، شهقت بسعادة وهي بتطبطب على كتف رانيا:— تسلم إيدك يا رانيا يا بنتي.. لولا إنك وقفتي مع شريف وجمعتي لنا ورق البيت ودخلتي الواسطة عشان البنك يمهلنا، كان زماننا مطرودين في الشارع! الست دي كانت شومة علينا، طول عمرها ساكتة وما بتفهمش في حاجة، ياما قولت لك يا شريف دي ملهاش في الطين ولا العجين!رانيا ابتسمت بخبث، وهي بتلعب بسلسلتها الدهب:— أنا ما عملتش غير الواجب يا طنط.
البيت ده بيتكوا، وأنا مستحيل أسمح لوحدة زي مريم تاخد شقى عمر عمي العطار. بكره الصبح هندخل البنك وننهي موضوع الحجز ده خالص.. أنا مظبطة كل حاجة مع الموظف هناك. حمايا، الراجل العجوز اللي كان السكر هاده، هز رأسه بقلة حيلة وقال بصوت ضعيف:— بس مريم يا جماعة عمرها ما أذتنا. . وكانت بتدفع معنا في مصاريف البيت…شريف قاطعه بعصبية:— مصاريف إيه يا بابا؟! كام ألف جنيه من مرتبها الحكومي التافه؟! دي كانت عايشة عالة علينا وعلى اسم عيلتنا! رانيا هي اللي لفت على المكاتب وشالت عنك الديون!وفجأة، تليفون شريف رن. كان رقم البنك الأهلي.
شريف رد بفخر وهو فاتح السبيكر عشان يوري رانيا قد إيه هو متابع:— أيوة يا أستاذ مدحت.. خلاص رانيا جاية بكره تنهي إجراءات فك الحجز عن بيت المطرية. صوت الموظف جه متوتر جداً، وبيترعش:— أستاذ شريف؟ حجز إيه وفك إيه؟ ! أنت فين دلوقتي؟!شريف اتعدل في قعدته:— في إيه يا مدحت؟ مالك بتتكلم كده ليه؟— البيت مفيش عليه حجز من سنتين أساساً يا أستاذ شريف! البيت مبيوع بيع وشراء نهائي ومسجل في الشهر العقاري باسم شركة “العروبة للاستثمار العقاري”!
والشركة دي لسه قافلة الحساب التحفظي ورافعة دعوى طرد مباشر وطالبة إيجار متأخر عن السنين اللي فاتت كلها!شريف قام وقف، العصير اتدفق على السجادة:— أنت بتقول إيه يا مجنون أنت؟! شركة إيه؟! البيت باسم بابا! ورانيا جايبة الورق!الموظف زعق من الناحية التانية:— ورقا إيه وزفت إيه! الأستاذة رانيا جابت صور أوراق ملغية وتقديمها للبنك يعتبر جريمة تزوير! والشركة الممالكة للبيت للتو أرسلت المحضرين ومعاهم قوة من الشرطة لتنفيذ حكم الإخلاء وتحفظ على الأثاث وفاءً للديون!السماعة وقعت من إيد شريف. الحجة كوثرية مسكت قلبها وهي بتصرخ:— بيتي؟
! بيت المطرية طالع منه طرد؟! يا لهوي يا فضيحتي وسط المنطقة!شريف بص لرانيا بذهول:— رانيا.. إيه الكلام ده؟ مش أنتِ قولتي إنك تسويتي مع البنك وفكيتي الحجز؟!رانيا وشها أصفر، بياض عينيها بان من الخوف، وقفت ترجع لورا:— أنا.. أنا شوفت العقود في أوراق عمي.. افتكرت البنك هو اللي حاطط إيده…وفجأة، الباب الخارجي للفيلا اتخبط بقوة. دخلوا ثلاثة رجال بشرطة رسمية، ومعاهم محضر من المحكمة، وعلى رأسهم المستشار فتحي الجمال. فتحي بص لشريف ولرانيا بنظرة شفت غليلي وأنا بفتكرها:— الأستاذ شريف العطار؟— أيوة أنا! أنتم مين ودخلتم هنا إزاي؟!
فتح المستشار ملف أسود تقيل، وطلع منه أمر قضائي:— أنا وكيل “شركة العروبة للحلول الاستثمارية”، ومعايا إعلان رسمي بإخلاء العقار الكائن بالمطرية خلال 24 ساعة، بالإضافة لاستدعاء رسمي للأستاذة رانيا Vélez بتهمة الشروع في التزوير واستخدام أوراق رسمية ملغية للنصب على البنك. رانيا صرخت:— أنا ماليش دعوة! أنا كنت بساعدهم!المستشار فتحي بص لها ببرود:— المساعدة دي هتقوليها للنيابة العامة يا أنسة. شريف هجم على المستشار، مسكه من ياقت الجاكيت وهو بيصرخ زي المجنون:— مين صاحب الشركة دي؟! مين ابن الكلب اللي اشترى بيت أبيا من ورايا؟
! وراء الدــ,,ـــــادثة دي مين؟!فتحي شال إيد شريف بجهامة وقوة تدل على تدريب عسكري قديم، وقال بمنتهى الثبات:— صاحب الشركة هو المالك الفعلي والوحيد لأسهمها.. والشركة مسجلة بالكامل باسم الكابتن مريم عبد الجواد.. طليقتك!الكلمة نزلت على صالة الفيلا زي الصاعقة. السكوت ساد لمدة خمس ثواني، كأن الزمن وقف. أم شريف وقعت على الكنبة وهي بتشهق:— مريم؟! مريم الغلبانة اللي مابتفتحش بؤها؟! دي جابت ملايين منين تشتري البيت؟!شريف كان واقف مبلم، شفايفه بتترعش، مش قادر يستوعب:— مريم؟ مريم مين؟
مريم مراتي؟! أنت بتكذب! مريم شغالة موظفة إدارية بالشيء الفلاني في هيئة قناة السويس! ما حيلتهاش حاجة!المستشار فتحي ابتسم ابتسامة سخرية قاتلة:— موظفة إدارية؟.. الأستاذة مريم هي قائد وحدة الاستخبارات والتحليل المالي بالهيئة، برتبة رائد متقدم، وإدارتها مسؤولة عن كشف ملفات غسيل الأموال وتأمين الأصول الاستراتيجية. والشركة دي تأسست بأسهم شرعية تماماً من ورث والدها اللواء المتقاعد عبد الجواد. مريم هي اللي شالت بيت أبوك من المزاد المفتوح من سنتين، وسددت 8 مليون جنيه ديون متراكمة، وسابتكم قاعدين فيه بكرامتكم من غير ما تجرح شعوركم!
شريف حس إن الأرض بتلف بيه. افتكر كلامه ليا على سر,,ـــــير المستشفى: “أنتِ عمرك ما عملتي حاجة ليها قيمة.. أنتِ ما بنيتيش حاجة!”افتكر لما رمى الطلاق وقسم العيال كأنهم كراسي سفيرة!في اللحظة دي، جاله إشعار على تليفونه. فتحه بإيد بتترعش. كانت رسالة مني.. فيها صورة ضوئية من حكم المحكمة المستعجل:”بناءً على التقرير الطبي المقدم من مستشفى الجلاء العسكري، وعقود الملكية، والوضع المالي والوظيفي للطرفين، تقرر منح الحضانة الكاملة للطفلين (سيف ومريم) للمواطنة مريم عبد الجواد، مع حظر سفر الأطفال وإلزام الأب بنفقة شرعية قدرها…”شريف صرخ بأعلى صوته في الصالة:— لااااااا! عيالي لا!
بيت أبويا لا!جرى على المستشفى العسكري زي المجنون. لما وصل شريف لمدخل المستشفى، كان أمن الحراسة المشددة واقف. حاول يدخل وهو بيزعق:— أنا شريف العطار! مراتي جوه وعيالي جوه! سيبوني أدخل!خرجت له وأنا لابسة العباية البيضاء، وشالي الملفوف على كتفي، ماسكة ياسمين في حــ,,ـــــضني، والممرضة شايلة سيف جنبي. كنت ماشية بثبات وخطوات واثقة، وجهي مش باين عليه أي أثر للتعب ولا الانكسار. شريف أول ما شافني، اترمى تحت رجلي تقريباً.. المنظر كان يعرّي كل الكبرياء المزيّف اللي كان عايش فيه.— مريم! مريم سامحيني!
أنا اتخدعت! رانيا هي اللي ضحكت عليا وشككتني فيكي! أنا معرفش إنك عملتي كل ده عشان بيت بابا! مريم والتراب اللي بتمشي عليه ما تحرمينيش من عيالي!بصيت له من فوق لتحت. نظرة خالية تماماً من أي كره، وخالية أكتر من أي حب. كانت نظرة لشيء أملس، ملوش وجود.— رانيا ما ضحكتش عليك يا شريف. أنت اللي كنت محتاج تصدق إنك أحسن مني. أنت اللي كنت عايز تشوفني ضعيفة عشان تحس إنك راجل.— مريم أنا بحبك! والله بحبك! البيت بيتك.. والعيال عيالنا!
نرجع ونبدأ من جديد!ضحكت.. ضحكة سينمائية هادية جمدت الدم في عروقه:— تبدأ من جديد؟ مع مين؟ مع الست اللي “ما عملتش حاجة ليها قيمة”؟قربت منه خطوة، وصوتي بقى واطي وحاد زي الموس:— البيت اللي في المطرية؟ مهلة الإخلاء هتنتهي بكرة الساعة 12 الظهر. أبوه وأمك هيتنقلوا لشقة صغيرة أنا أأجرتها لهم في دار السلام على حسابي، عشان أنا ما بظلــ,,ـــــمش كبار السن.. أما أنت؟ أنت مالكش مكان فيها.— وعيالي؟! سيف وياسمين؟!— عيالي هيتربوا بعيد عنك.. هيعرفوا إن أمهم بنت بيت، سكتت لما كان السكوت جدعنة، وتكلمت لما الكلام بقى واجب.
شريف مسك في جلابيتي:— مريم عشان خاطر ربنا! بلاش يضيع كل حاجة في لحظة!شلت جلابيتي من إيده بقرام:— اللي ضاع ما ضاعش في لحظة يا شريف.. ضاع يوم ما سبتني بطلق لوحدي في المطبخ وبتتعشى عند غيري.. ضاع يوم ما رميت الطلاق على سر,,ـــــير الولادة وعايز تقسم عيل عمره ساعات. لفيت ظهري واديت أوامر للحراس:— امنعوا الشخص ده من دخول المبنى، ولو حاول يقرب تاني، فعلوا محضر التعدي. ركبت العربية التابعة للهيئة، الممرضة قفلت الباب، والعربية تحركت ببطء وسط حراسة مشددة.
شريف كان واقف في نص الشارع، الهدوم متبهدلة، والناس بتتفرج عليه وهو بيصرخ باسمي في الشارع، وصوته بيروح مع زحمة القاهرة. مرت ثلاث سنين..في مكتب فخم بطل على القناة في الإسماعيلية، كنت قاعدة قدام شاشة العرض، براجع تقارير السلامة المالية للمشاريع الجديدة. دخل المستشار فتحي ومعاه ملف جديد:— سيادة الرائد مريم.. قضية رانيا انتهت بحكم سنتين مع الشغل بتهمة التزوير والنصب. وشريف.. خسر شغله في الشركة بعد ما أخباره انتشرت، ودلوقتي شغال على عربية سويفت باليومية عشان يقدر يدفع نفقة العيال اللي المحكمة فرضتها عليه.
هزيت رأسي بهدوء من غير ما أرفع عيني عن الورق:— يدفها في مواعيدها يا فتحي.. ده حق سيف وياسمين، ومش هسامح في مليم.— وأبوه وأمه؟— إيجار الشقة بيمشي من حساب الشركة شهرياً.. أنا مش باخد بتاري من كبار السن. في اللحظة دي، دخلت الممرضة ومسك بإيدها سيف وياسمين، عندهم دلوقتي ثلاث سنين، بيكركروا ويدوروا عليا. سيف جرى عليا وهو ماسك لعبة طيارة صغيرة:— ماما! بصي الطيارة دي طارت إزاي!رفعت سيف على ركبتي وضمت ياسمين للناحية الثانية.
بصيت لشبابيك المكتب الكبيرة، والبحيرة الواسعة قدامي، والشمس بتعكس نورها على المياه.. افتكرت اليوم اللي كنت ماسكة فيه رخامة المطبخ وبصرخ من الوجع وشريف بيطنش رسايلي. كنت فاكرة إن السكوت ضعف.. بس اكتشفت إن السكوت هو القوة اللي بتخليك تبني قلعتك في السر، لحد ما تجرف الخونة في العلن. وفجأة. . تليفون مكتبي الخاص بالعمليات السرية رن. رقم مش مسجل، بس الشفرة بتاعته حمراء. رديت بثبات:— الرائد مريم. صوت عميق وغريب جه من الناحية الثانية:— سيادة الرائد.. شريف العطار مش مجرد جوز سابق خايب.. الملفات اللي رانيا كانت بتسرقها من بيت أبوه ما كانتش ديون.
. رانيا كانت شغالّة مع شبكة تهريب أصول في الخارج، والأوراق اللي تحت إيدك في شركة “العروبة”.. فيها الشفرة الحقيقية للحساب المغلق باسم “العطار 1990”.. وشريف بيكلمهم دلوقتي من التليفون العمومي عشان يبيع البقية!عيني اتسعت، ودمي جمد في عروقي. البيت مكنش مجرد بيت في المطرية.. البيت كان مخبأ! وقفت على حيلي، وبصيت للمستشار فتحي اللي كان وشها اتغير تماماً وهو بيسمع التليفون معايا. سيف حط إيده الصغنونة على وشي وقال:— ماما.. مالك؟بصيت لابني، وابتسمت ابتسامة حادة زي السيف:— ولا حاجة يا حبيب ماما.. اللعبة يلا بدأت بجد.