منوعات

طوفان الدُرة ج1

سعاد محمد سلامة

قاطعته بتسرُع وهي تتنازل عن كبريائها في لحظة ضعف، تشبثت بذراعه بيد مرتعشة، وعيناها تتسعان بارتجاف: لا، متقولش كده أنا مش مجرد واحدة في حياتك بتقضي معاها وقت لطيف عالسرير، إحنا متجوزين، حتى لو كان عرفي. ارتفع حاجباه بسـ,ـخرية باردة وهو ينتزع ذراعه من بين أصابعها كأنه يرفض حتى أن يلوثه بلمستها، ثم أردف بنبرة ازدراء: متجوزين… وإيه بقى قيمة الجواز ده لو ورقتين ممكن يتقطعوا بسهولة.

شهقت وهي تشعر بوقع كلمـ . ـاته كـ,ـصـ,ـفعة أحرقتها، حدقت في ملامحه القاسية بحثًا عن أي أثر للمشاعر التي أقنعت نفسها يومًا أنها موجودة، لكنها لم تجد سوى برود قـ,ـاتل… أدركت الحقيقة التي لطالما تهربت منها… كانت مجرد وسيلة تسلية له، لا أكثر. عضت شفتها السفلى لتمنع دموعها من الانهمار، ثم رفعت ذقنها بعناد محاولة التماسك، وهمست بصدق: بس أنا بحبك يا طوفان. استدار  بعيدًا عنها غير مبالٍ، بينما أخذت هي تحدق في ظهره، وهو يُغادر

تاركًا لها المجال لتُفكر، أو ربما لتغرق في صعوبة تحقيق أمنياتها المستحيلة…لكن تيأس. ❈-❈-❈ بأحد مشافي القاهرة الخاصة بالعيون رغم ذلك الحزن المصبوغ ليس فقط بزيها الأسود، كذالك مرسوم على ملامحها، لكن رسمت بسمة طفيفة وهي تسمع الى ذلك الطبيب الذي يتحدث بآسف: للآسف المستشفى خسرت دكتورة شاطرة فى مجال العيون، بس مُتأكد المكان اللى هتروحي فيه هيكون فرصته أفضل، بتمني لكِ دوام النجاح والتميُز يا دكتورة فى المكان اللى أختارتيه. إبتسمت له بدبلوماسية قائلة:

مدحك شرف ليا يا دكتور، وفى أطباء أكفاء دايمًا فى كل مكان، تلاميذ لأساتذة مخضرمين ومُتميزين زي حضرتك. إبتسم لها وهي تُغادر مُتحسرًا على خسارة المشفي لطبيبة ذات كفاءة… بينما خرجت تسير بالرواق لكن توقفت حين سمعت النداء “دكتورة دُرة” رسمت بسمة وهي تنتظر تلك التى إقتربت منها تلهث قائلة  بمرح: مساء الخير يا دكتورة كويس لحقتك قبل ما تمشي من المستشفي إتفضلي. نظرت  دُرة  الى تلك الحقيبة الورقية الكبيرة سائلة: ده إيه اللى فى الكيس.

إبتسمت الاخري بحياء قائلة  بشُكر: ده الفستان اللى كنت طلبته منك لخطوبة بنتِ الحمد لله لبسته فى الخطوبة ورفع رأسنا قدام المـ,ـعازيم، كتر خيرك، أنا غسلته فى المغـ,ـسلة والله عشان يفضل بلمعته، كتر خيرك  يا دكتورة  جميلك على راسي. بغصة قلب تبسمت قائلة: ألف مبروك لبنتكو، ربنا يتمم لها بخير  والفستان أنا قولتلك قبل كده هدية مني ليها، انا مش محتاجاه، خليه عندك ينفعها فى كتب الكتاب، ومعاكِ رقم موبايلي، متنسيس تعزمني فى الفرحه الكبيرة.

تحدثت الاخري قائلة: ده كتير والله يا دكتورة، والله انا أتشرف بحضورك بس أخاف أتقل عليكِ، هتجي مخصوص من المنيا للقاهرة عشان فرح بنتِ. ربتت على كتفها بتواضع قائلة: هاجي، بس إنتِ أوعي تنسي تعزميني. إبتسمت لها الاخري  ونظرت لها بإمتنان وهي تُغادر تدعو لها أن يُسلي قلبها من الحُزن. ❈-❈-❈ ليلًا بمنزل متوسط الحـ,ـجـ,ـم كانت تجلس بتلك الرُدهة التى تطل على حديقة متوسطة  تنظر نحو السماء شاردة إنتبهت حين سمعت: ماما إيه اللى مسهرك لدوقتي الساعة قربت على واحدة ونص، حضرتك مش بتحبي السهر.

نظرت له ببسمة حـ,ـزينة قـ,ـائلة: مش جايلي نوم، من وقت ما  دُرة  كلمتني عالموبايل وقالت إنها خلاص خلصت إجراءات نقلها من مستشفى القاهرة لمستشفى الرمد فى المنيا، قولت لها تچي فى القطر قالت إنها مش هتتحمل وقوف القطر الكتير،وهاتجي بعربيتها،حتى قولت لها الطُرق إختلفت،قالتلى هتشغل Gps،واللى يسأل ميتوهش. إبتسم بألم يعلم سبب خوف والدته من مجئ دُرة الى هنا بعد عِدة شهور من مقـ,ــ,ـل والدهم وخطيبها،جلس جوار والدته يربت على يدها قائلًا: متقلقيش يا ماما،دُرة مش هتوه عالطريق،فاكرة وإحنا صغيرين لما كانت بتروح لمكان كانت بتحفظه من أول مرة،وطالما هتجي بالنهار يعني الطريق هيبقي شغال متقلقيش وقومي نامي.

إبتسمت له بغـ,ـصة،هي لا تخـ,ـشي عليها من الطريق بل تخشي من مجيئها الى هنا بهذا الوقت،دُرة لم تحضـ,ـر العزاء ليس لمرضها كما إدعت بل لهدف برأسها،تخشي أن تكون تُفكر فى القصاص والثأر. ❈-❈-❈ بمنزل فخم وكبير مجاور لمنزل طوفان لم تستطيع النوم لشعورها بالغضب والضجر،تقلبت كثيرًا فى الفراش مما ازعج ذلك النائم جوارها،نهض بغضب وأشعل ضوء الغرفة قائلًا: “سامية” بعدين فى الليلة اللى مش هتفوت دي مش هتتخمدي يا ولية فى ليلتك. نهضت جالسة على الفراش تنبُر وتعوي قائلة بإستهـ,ـجان:

طبعًا إنت مش حاسس بإبنك المرمي فى الأحداث،وسمعت لحديت طوفان واد  أختك وقبلت تجدم ولدي للمحـ,ـكمة وإتحكم عليه بالحبس،وأها بيجضي شبابه فى السچن،وإنت وواد أختك نايمين فى التكيف. تنهد بغضب قائلًا بزم وإستهجان: ولدك يستحق اللى جراله،وإحمدي ربنا لو مش طوفان كان زمانه إتعدم أو عيلة غُنيم ولا بدران جتلوه. تهكمت بإستهزاء وإستقلال شأن قائلة: هما اللى غلطوا فى ولدي، وبعدين هما عيلة بدارن حداهم رجالة،ولا واد كريمان عنده نخوة  عشان ياخدوا بالتار. نظر لها بإحتقار قائلًا:

متنسيش عيلة بدران أخو الجـ,ـتيل ظابط ويقدر يوصي زمايلة فى الداخليه على ولدك، فبلاش تتحدتي إكده جدام خد بلاش طبعك الاستفزازي، وكمان عيلة غُنيم مش شويه، متنسيش كلياتهم برهن إشارة من واد كريمان فبلاش  ترطي بالحـ,ـديت الفاضي، والمحامي قال إن مجرد ما ما ولدك هيتم الواحد وعشرين سنه سهل يقدم التماس ويطلع من الجضية، كيف ما قال طوفان، يعني طوفان يعتبر وقف بحر دم بتقديمه ولدك للمحكمة، ونامي فى ليلتك لا يمين بالله تباتي وإنتِ مش على ذمتي.

نظرت له كادت تتحدث لكن نظرة عين عزمي اصمتتها، بينما هو نظر لها بحـ,ـقد وداخله تمني لو أخـ,ـطات رصـ,ـاصة وأصابت رأسها  وإستراح من غطرستها وحـ,ـقـ,ـدها. ❈-❈-❈

انت في الصفحة 2 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى