منوعات

طوفان الدُرة ج1

سعاد محمد سلامة

إنحنى  برأسه قليلاً وهو يرد بهدوء مستفز:
يبقى انسي الأرض، لأنها مش هترجعلك . ازدادت يداها قبـ .ـضًا، وكأنها تحاول كبح جماح نفسها عن لكمه، لكنها بدلاً من ذلك، ألقت عليه نظرة أخيرة مليئة بالازدراء قبل أن تستدير وترحل، غير مدركة أن ابتسامته الساخرة قد تحولت إلى شيء آخر… شيء أكثر دهاءً. وهو يقول بصوت عالي:
إعتبريها  صفقة، خدِ وقتك… بس متنسيش، العروض مش بتفضل متاحة للأبد.

لم تهتم لحديثه وتابعت سيرها تختفي من أمامه، ليس فقط بسبب غضبها منه بل لمقتها ذلك الشعور بالضعف أمامه وهي تشعر بإقتراب إختناق مرة أخري لن تجعله يرا ذلك مرة أخري…
راقبها بصمت يشعر بقلق عليها وهي تبتعد، خطواتها تحمل من الثقة بقدر ما تحاول إخفاء اضطرابها… تابعها بعينيه حتى اختفت، ثم زفر ببطء، وهو يمرر يده في شعره،
وهو يتجه نحو جواده، معتليًا إياه يضـ .ـرب بقدميه بطن الجواد الذي إنطلق مُسرعًا.

❈-❈-❈
بمنزل عزمي
إستقظ على اصوات رنين هاتفه الجوال
فتح عينيه بضجر ومد يده بتكاسل نحو الهاتف الموضوع على طاولة بجانب الفراش ، نظر إلى الشاشة بعينين نصف مغمضتين، فوجد اسم المتصل يلمع بإلحاح… زفر بضيق قبل أن يرد بصوت مبحوح:
خير بتتصل ليه بدري إكده جاءه صوت الطرف الآخر مشحونًا بالخوف والتوتر:
وليد… إبن حضرتك إتخانق هو إتنين معاه فى  “الأحداث” والتلاتة إتنقلوا للمستشفي، بس… إنتفض معتدلًا في فراشه وهو يمرر يده على وجهه بشبة برود  في محاولة لطرد بقايا النوم وعاود السؤال بتأكيد:
عيد اللى جولته تاني.

جاءهُ الرد الذي جعله يستيقظ بالكامل،يشعر  بالريبة والفزع… كلمـ . ـات كفيلة بأن تسحب الأرض من أسفل قدميه.

نفض غطاء الفراش عن جسده ونهض  بحركة مضطربة… بنفس الوقت رمق تلك الغافيه وفكر للحظات تردد أن يُقظها ويُخبرها لكن تراجع ربما ان الامر بسيط وقتها
تراجع في اللحظة الأخيرة… ربما الأمر بسيط، ربما لا يستدعي إثارة القلق  كذالك لا يود،إقحام عقله برد فعلها الذي بالتأكيد سيكون مُبالغًا وحانقًا ومُثيرًا لفظاظة حديثها…الأفضل إرجاء إخبارها  لاحقًا بعدما يتأكد إن كان هنالك خطر حقًا أو لا…فهو برغم محاولته إقناع نفسه بذلك، لم يفلح في إخماد ذلك الاضطراب المتصاعد داخله فبالك لو علمت تلك ستجعل عقله يشت بمُبالعتها ونقها الدائمين.
❈-❈-❈

بمنزل دُرة
عادت الى المنزل تشعر بعصبية من حديث طوفان الجاحف،لحُسن الحظ أو ربما بسبب أن الوقت مازال مُبكرًا كان المنزل خالي… ولم تتصادف مع احد،سريعًا ذهبت نحو غرفتها
دخلت وأغلقت الباب خلفها تشعر بحرارة حِقد تغزوا جسدها…توجهت فورًا نحو حمام الغرفة نزعت ثيابها وفتحت صنبور المياة توقفت أسفله تشعر بغزارة المياة تنساب فوق جسدها، تشعر بإشمئزاز وبخيالها جسدها فوق جسد طوفان، كأن عِطره إلتصق بأنفها،
أنفها… لحظات وكادت تشعر بإختاق مرة أخري أوصدت الصنبور وجذبت مئزر إرتدته خرجت من الحمام سريعًا توجهت نحو إحد أدراج الخزانة جذبته بتسرُع، جذبت تلك القطعة البلاستيكية (بخاخ)سرعان ما وضعته بفمها تضغط

عليها تشعر برذاذ يفتح شُعب رئتيها، تشعر بعودة دخول الهواء لـصدرها، عاودت تتذكر قبل قليل وكأن رأسها تكاد تُسحق من الألم، كأن دوامة من الأفكار السوداء تحاصرها، تخنقها أكثر مما فعل ضيق التنفس…. أغمضت عينيها للحظات، تحاول تهدئة نبضات قلبها التي تضـ .ـرب صدرها بعنـ .ـف…. وضعت البخاخ جانبًا وهي تأخذ أنفاسًا عميقة متقطعة، تحاول طرد الشعور العالق في داخلها، ذلك الاشمئزاز الذي ينهش كيانها…
تحركت بخطوات مضطربة نحو السرير، جلست على طرفه، ودفـ .ـنت وجهها بين يديها….كيف تمكنت بضع كلمـ . ـات من طوفان الجاحف من زلزلة هدوئها بهذا الشكل….

حاولت أن تقنع نفسها أن الأمر انتهى، لكن جسدها المرتجف لم يكن يصدقها…. انتفضت فجأة، كأن صاعقة ضـ .ـربتها، لا… لن تسمح له بالإبتزاز بهذه السهولة…. عضت على شفتيها بعناد ونهضت واقفة، اتجهت نحو المرآة ونظرت إلى انعكاسها. لم تكن ترى سوى شبـ .ـح مرهق لامرأة تحاول الوقوف بثبات وسط عاصفة.
همست بصوت متحشرج:
مستحيل أخليه يبتزني الأرض هترجع، كمان القصاص العادل لازم يتحقق.

جففت بقايا مياه تنساب من شعرها عن وجهها. عادت تسحب نفسًا عميقًا، هذه المرة لم يكن طلبًا للهواء فقط، بل للشجاعة أيضًا… لكن فجاءة عقلها إنتبه لشيء كيف لم تنتبه لـ يد طوفان
كان ملفوف عليها ضِماد… تذكرت أيضًا قبل أيام أثناء سيرها بأحد ممرات تلك المشفي تخيلت رؤية طوفان بالمشفي، وقتها لم تهتم بذلك، همست بذهول غير مستوعبة:
معقول…. طوفان هو اللى خدني للمستشفي…

عقلها بدأ يربط التفاصيل، الضماد على يده، الظل الذي لمحته في المشفى، والشك الذي بدأ يتسلل إليها… هل من الممكن أن يكون طوفان هو من أنقذها بالفعل
سُرعان ما نفت ذلك بتأكيد وثقة:
مستحيل يكون طوفان، لو كان هو كان ممكن يستغل الموقف ويظهر نفسه بس عشان يكسب تعاطف إنه المُنقذ صاحب الأخلاق.

شعرت بحرارة خفيفة تغزو جسدها، ربما  بسبب الهواء،فالهواء الذي تسلل من الشُرفة شبه ساخن  بل كذالك بسبب تلك  الأسئلة التي بدأت تطارد عقلها… زفرت نفسها تحاول نفض كُل ذلك عن رأسها التي بدأت تشعر ببوادر ألم، أخرجها من كل تلك الأفكار
دخول كريمان الى الغرفة ببسمة حنان سُرعان ما إختفت وتوجهت نحو باب الشرفة وأغلقته ثم نظرت لها بذم وغضب قائله:
مستحمية وفاتحة باب البلكون،ممكن تاخدي هوا فى صدرك وهو مش ناقص، وكمان شعرك مبلول  ناسية الجرح اللى فى راسك مش قولتلك ممنوع تقربي الماية منه كده ممكن يلتهب.

إبتسمت غصبًا قائلة بتبرير:
الجو اساسًا حر، كمان الجرح شبه إلتئم. وكزتها بكتفها وتفوهت بسخرية:
برد الصيف أسوء من برد الشتا،وإنتِ صدرك مش ناقص،هروح أجيب علبة الإسعافات أشوف الجرح اللى إلتئم ده. تبسمت دُرة بغصة،لحظات وعادت كريمان،بصندوق الإسعافات لكن تحدثت بسؤال:
إنتِ كنتِ خرجتي. إرتبكت دُرة ونفت ذلك قائلة:
هخرج فين بدري كده. نظرت لها كريمان تشعر بعدم الثقة وجادلتها:
طب وهدومك اللى فى سلة الغسيل فى الحمام،انا امبارح بالليل خدت كل الهدوم اللى مش نضيفة.

توترت دُرة وكذبت قائلة:
ده كان غيار نضيف هلبسه بس وقع مني فى الحمام إتبل ماية وقولت ألبس غيره ناشف. نظرت لها كريمان قائلة:
ده لبس خروج إنتِ هتخرجي. اومأت دُرة قائلة بتأكيد:
أيوه،هروح المستشفى المفروض كنت إستلمت شغلي هنا، بس الحـ .ـادثة أخرت ده، والحمد لله بقيت كويسه، وأقدر أشتغل. زفرت كريمان نفسها قائلة:
وفيها ايه لما تاخدي كمان كام يوم راحه مش عشان حرج راسك… عشان الكدمة اللى كانت فى ضلوع صدرك.

تنهدت دُرة بهدوء قائلة:
بقيت كويسه، وبعدين فى الاول اكيد مش هيبقي الشغل عليا تقيل، يعني متقلقيش، ده مجرد إني هستلم هنا، وطب العيون مش مُتعب… زي التمريض يا سيادة النيرس(ممرضة). تبسمت كريمان تشعر بغصة،قائلة:
خلاص سيبت التمريض من زمان. إبتسمت غصبًا دُرة وهي تتذكر سبب ترك والدتها لمهنة التمريض من أجلها أولًا منذ طفولتها أصيبت بوعكة صحية بسبب تعرضُها  لأستنشاق مُبيدات زراعية خطيرة بطريقة مباشرة ومُركزة  تركت أثر  على تنفُس رئتيها لم تتعافي بشكل طبيعي  … لذلك  مازالت كريمان تشعر  بقلق على صحة دُرة، فقررت ترك التمريض لتكون بجانبها دومًا.

تأملت دُرة والدتها للحظات، تلمح في عينيها مزيجًا من الحنين والتمني، ربما لأنها كانت تحب عملها لكنها ضحت به من أجلها… شعرت بوخزة تأنيب في صدرها، لكنها حاولت تخفيف الأجواء قائلة بمزاح:
بس برضو، الخبرة مش بتروح، وأهو انا حقل تجارب. ضحكت كريمان بخفة، لكن عينيها ظلت تراقبان دُرة بحذر، وكأنها تحاول قراءة ما وراء إصرارها على العودة سريعًا للعمل.
….. ـــــــــ
بعد وقت
بمشفي حكومي
دخلت دُرة  الى غرفة مدير قسم العيون،نهض يصافحها بعد أن  قدمت نفسها له، عيناه كانت تتفحصها جيدًا، وعرف نفسه:
أنا دكتور عادل السيد، واضح إنك مش من الصعيد… أكيد منقولة هنا بسبب نقص الأطباء.

تبسمت بإستهزاء وأجابته بثقة:
بالعكس أنا من هنا من المنيا بلد أبويا، كمان معتقدش فى نقص أطباء، أطباء الصعيد كتير جدًا وفي كل التخصصات. شعر بالحرج قائلًا بنبرة إعتذار:
متأسف بس أنا خمنت كده من لهجتك بعيدة عن لهجة الصعيد تمامً. أومأت برأسها قائلة:
ممكن عشان بقالي فترة عايشه فى القاهرة، بس لو تحب أكلمك باللهجة الصعيدي… واضح إن حضرتك مش من الصعيد. إبتسم قائلًا:
فعلًا تخمينك صح، أنا من الجيزة. أومأت قائلة:
الجيزة تعتبر بداية خط الصعيد، وأكيد أنا مش جاية عشان أقدم على وظيفة، أنا دكتورة والمفروض أي مكان بشتغل فيه لازم أحس فيه بالأُلفة.

إبتسم بإعجاب واضح قائلًا:
فعلًا، بتمني لكِ كل التوفيق في عملك هنا، ومتأكد هتكوني إضافة قوية للقسم. ابتسمت درة بثقة قائلة:
شكرًا، لمدح حضرتك…بستأذن أروح أشوف شغلي أكيد فى مرضي محتاجين لوقتي أكتر. أومأ برأسه مُبتسمً بإعجاب، وهي تُغادر الغرفة يشعر بأنها شخصية قوية، واثقة من نفسها، راقب خطواتها وهي تغادر، ولاحظ مدى اعتزازها بذاتها، وكأنها تريد أن تُثبت فرض مهارتها الطبية …
جلس على مكتبه وهو يسترجع حواره معها، شعر بأنها ليست مجرد طبيبة جديدة انتقلت إلى القسم، بل امرأة تحمل بداخلها كبرياءً خاصًا، لا تسمح بأن تُحاصر ضمن توقعات مسبقة… ابتسم لنفسه وهو يتساءل عن سر جاذبيتها.

بينما  دُرة تسير في الممر بثبات، تشعر بإعتزاز بنفسها دائمًا هي من تفرض  على الآخرين احترامها لكفاءتها.
❈-❈-❈
بالقاهرة
بالمقر الرئيسي لمجوعة شركات مهران
خلف مكتب رئيس الإدارة
وصل للتو جلس بشموخ خلف مكتبه،ينظر الى مديرة مكتبه قائلًا:
تمام يا “مدام نادية”  إعملي إجتماع مع العملاء الجُداد، كمان هاتيلى تقرير مبيعات الشهر اللى فات… وكمان ملف الطلبيات الجديدة… وكمان بلغي المسؤولين فى إجتماع للإدارة بكرة عاوز كل إدارة تقدم لى تقرير مُفصل عن سير الشُغل.

أومأت له مُبتسمة بإحترام ثم غادرت
بينما هو إضجع بظهره يُفكر بـ عرض دُرة شراء الأرض من أين لها بثمن تلك الأرض لابد أن يعرف ذلك،جذب هاتفه وقام بإتصال خاص سمع لرد الآخر عليه مُرحبًا،تنهد قائلًا بإستفسار:
ليه مقولتليش عن رجوع دُرة للـ المنيا،واضح فى أسرار مخفية عني،كمان عرضت تشتري الأرض عاوز أعرف هدبر ولا دبرت تمنها منين،متأكد من كلامها بثقة إنها فعلًا معاها تمن الأرض….عاوز أعرف المعلومة دي النهاردة. إبتسم الآخر قائلًا:
إنت هنا فى القاهرة.

اجابه:
ايوه لسه واصل وقدامي يومين هنا. إبتسم الآخر قائلًا:
تمام نتقابل المسا وأكون معايا كل المعلومـ . ـات اللى طلبتها. أجابه بترحيب:
تمام نتعشي سوا.

أغلق طوفان الهاتف، تنهد وهو يُقلب الأمور في رأسه، كيف تمكنت دُرة من توفير هذا المبلغ…لا داعي للحِيرة بالتأكيد سيعلم…
نهض من مقعده وتوجه نحو النافذة، ناظرًا إلى شوارع القاهرة المزدحمة، عقله يعمل بسرعة،  يعلم السر  وراء رغبتها في امتلاك الأرض… دُرة عادت لهدف برأسها
أخرج سيجارة من علبته وأشعلها، نفث دخانها ببطء، على يقين يعلم أن تلك الأرض ليست السبب الوحيد لعودة دُرة…دُرة تود القصاص،لكن لمن
والداها…
ام…
نفث دخان السيجارة  ونطق عقله الإسم الثاني…حسام
يشعر بمرارة تختلط برائحة الدخان المتصاعد، كأن أنفاسه تحمل معه رماد الماضي. حسام… الاسم وحده كان كفيلاً بإثارة فوضى في صدره، فكيف بعودتها.

أدار السيجارة بين أصابعه، يراقب الجمر المتقد في طرفها، يشبه تمامًا ذلك اللهيب الصغير الذي لم ينطفئ أبدًا في قلبه  درة لم تعد تلك الفتاة الرقيقة التي كان يعرفها، بل امرأة عادت تحمل في عينيها عاصفة غضب. لكن القصاص… لمَن  ومِن مَن… بالتأكيد لدية دور في دائرة الحساب
تمتم بصوت خافت  يُردد إسمها:
دُرة. أخرجه من تفكيره صوت رنين  هاتفه، عاد نحو المكتب، وضع باقي السيجارة بالمنفضة، ثم جلس وجذب الهاتف يرسم بسمة سخرية، وقام بالرد وسمع لهفة الأخري:
طوفان أخيرًا رجعت للقاهرة، أنت وحشتني أوي، أنا كنت خلاص هجيلك المنيا.

تهكم ساخرًا ثم تحدث بقسوة:
أكيد الجاسوس بتاعك اللى فى الشركة بلغك إنى هنا  بسرعة أوي… يا “رزان”. توترت وعاودت حديثها  بإشتياق:
هنتظرك الليلة فى الشقة، إنت واحشني أوي، بقولك كنت هجيلك المنيا. تهكم بسخط قائلًا:
عشان كنت طلقتك وقطعت الورقتين فورًا، قولتلك المنيا خط  ممنوع. تغيرت نبرة صوتها، وارتجف طرف أنفاسها وهي ترد بسرعة:
حبيبي … مش عارفة سبب إن  ممنوع أجيلك المنيا، ممنوع أتكلم، ممنوع حتى أقول إني مراتك… إنت عارف إني بحبك…

قاطعها ببرود:
زران، أنا مش فاضي عندي إجتماعات مهمة نتكلم بعدين. تنهدت بغصة قوية قائلة:
طيب هستناك الليلة فى شقتنا متتأخرش. تنهد بسئم:
إن شاء الله.

قال ذلك وأغلق الهاتف ألقاه على المكتب أمامه وعاد يُشعل سيجارة أخري منفثًا دخانها ببسمة مستهزءًا من قسوة القدر،يتخلل عقلهُ وقلبهُ الندم على تلك الزيجة السرية … كانت غلطة لم يكن ينبغي أن يقع فيها، خطأ لم يكن يليق به، لكنه وقع… والآن لابد لإصلاح ذلك دون ضرر لأحدهم.
❈-❈-❈
بمنزل طوفان
مساءًا
تنهدت وجدان بحُزن وهي تبوح لـ شُكرية:
مش عارفه في أيه حصل فجأة خلى طوفان يسافر للقاهرة، مع إنه الكام يوم اللى فاتوا، كنت حاسه إنه قريب مني وبدأ يسمع لحديتي…

كنت حاسة إنه خلاص فهم إنه لازم يتجوز ، وإنه قرب يلين لكن فجأة رجع الصبح من برة وجالي مسافر لـ مصر نظرت إليها شكرية بعينين مليئتين بالشفقة، ثم سألتها بلطف:
هو جالك ليه سافر. هزت وجدان رأسها بيأس قائلة:
قال شغل… بس أنا مش مصدقة، فجأة كده يجول مسافر.

ارتشفت شكرية رشفة من كوب المياة ثم قالت بتفكير:
مش يمكن حديته صُح وجاله شغل طارئ، بس جلبي بيجول إنه طالما كان بدأ يلين، إن لما يرجع تاني لأهنه ممكن يوافجك ويرضي يتجوز، المهم دلوق، إنتِ لازمن تفكري وتشوفي له صبية تليق بمجامه العالي وتكون مناسبه لذوجه (لذوقه)… والحمد لله أها كيف ما جولتلك إن ممكن يكون سبب الصداع وچع عينكِ، لازمن تهتمي بيهم، ده مفيش بعد النضر (النظر).

أومأت وجدان  قائلة:
طوفان هو نضري يا شُكرية، أنا خايفه، بعد ما عرفت من عزمي إن وليد اتصاب فى الاحداثية، يمكن تكون حـ .ـادثه مدبرة، واد بدران ظابط ويده ممكن تطوله هناك. نفت شكرية ذلك قائله بتصحيح:
إنتِ هتسمعي لحديث عزمي بيه الماسخ، وليد هو اللى شراني، لو صحيح  واد بدران عاوز يأذي وليد مكنش إستني وجت، ومكنش قبل حديت طوفان إنه يخلي القانون هو اللى ياخد مجراه، كان جتل وليد فى التو.

تنهدت وجدان بحِيرة وقلق قائلة:
منه لله وليد بغلطة مِنيه إتسبب فى جتل تنين… كمان رچوع بِت غُنيم فى الوجت ده حاسة إن فى عاصفة جاية، جلبي متاخد، بالذات لما عرفت إن الحُكم فى الإستئناف اللى جدمه المحامي لـ وليد عالحُكم كمان آخر الشهر ده، قبل الأجازة القضائية…كل ده مـ .ـوترني ومقلق جلبي،طوفان هو اللى سلم وليد بيده للبوليس. تفهمت شكرية خوف وقلق وجدان وحفزتها قائلة:
إبعدي القلق عن راسك، وليد غلط وبيدفع ثمن غلطه.

اومأت وجدان بنظرة قلق، ربتت شكرية على يدها قائلة بثقة:
طوفان راح القاهرة عشان سبب، وبالتوكيد مش هيسيب الأمور تتدهور،أكيد عنده عِلم وفضل أنه ميظهرش فى الصورة ، يمكن بيحاول يسيطر على اللي جاي من بعيد.

لم تقتنع وجدان، مازالت تشعر أن ما هو قادم ليس الأفضل ، بل أشبه بإعصار قد يهدد باجتياح كل شيء.
❈-❈-❈
بغرفة جود
عقلها الباطن اختزن صورة ذلك الشاب الذي قابلته منذ أيام، وكأن ملامحه انحفرت في ذاكرتها دون وعي منها… دون إرادة، بدأت يدها تتحرك على الورق، ترسم ملامحه بدقة غريبة… ما إن انتهت حتى نظرت إلى الصورة بدهشة، تتفحصها باستغراب… كيف حدث ذلك.. كيف استطاعت استذكار تفاصيل وجهه بهذه السهولة رغم أنها رأته لمرة واحدة فقط!

ازدادت دقات قلبها، وراحت تسأل نفسها
هل ذلك مجرد صدفة، وكيف ترك لقاؤه في داخلها أثرًا عميق هكذا…
شعرت بارتجافة خفيفة في أصابعها وهي تمررها فوق الملامح المرسومة، وكأنها تتحسس وجهه في الحقيقة… عيناه في الصورة تحملان ذات العُمق التي لاحظته في لقائهما العابر، ونظرته التي لم تدم طويلًا، لكنها علقت في ذاكرتها كأنها جزء من وعيها… ازدحمت الأفكار في رأسها،تشعر ان هنالك شيئًا خفيًا جعل عقلها الباطن يحتفظ بملامحه… قلبت الصفحة بسرعة، كأنها تحاول الهروب من أثره، لكنها عرفت في قرارة نفسها أن الهروب لن يكون بهذه السهولة… وضعت الفُرشاة وعلبة الألوان جانبًا ونهضت، متوجهة إلى النافذة، عسى

أن تجد في الهواء الرطب ما يشتت تفكيرها… لكن حتى مع انسياب النسمـ . ـات الليلية، كانت صورته لا تزال هناك، حاضرة في ذهنها، نابضة كما لو كان يقف أمامها من جديد.
❈-❈-❈. بمنزل حاتم بدران..
إقترب إنتصاف الليل، دلف الى غرفته يشعر بإرهاق بدني، تمدد بنصف جسده على الفراش يتنهد بتكاسُل،مُستسلمً لوهج التعب… لكن سُرعان ما إستقام جالسًا يرسم بسمة دافئة لوالدته التى دخلت الى الغرفة، حتى لا يُشعرها بإرهاقه. جلست جواره على الفراش قائلة:
أحضرلك عشا خفيف.

أجابها ببساطة:
لاء يا ماما أنا مش جعان متغدي متأخر. تحدثت مره أخري:
طب أجيبلك كوباية لبن دافيه تشربها قبل ما تنام. إبتسم قائلًا:
لبن دافي فى الجو ده، خلاص الحر دخل، قولى عصير متلج، بس أنا مش محتاج أكتر من دُش بارد بعدها أنام. ظلت جالسة لحظات تنحنحت أكثر من مرة فهم حاتم ان هنالك ما تود الحديث به، فحثها على الحديث بطريقة غير مباشرة:
بس غريبه إنك لسه صاحية لحد دلوقتي. تنهدت بألم فى قلبها، تدمعت عينيها، قائلة:
الضهر كنت عند كريمان مرات خالك الله يرحمه، وجالت لى إن دُرة راحت تستلم شغلها فى المستشفي، جلبي وجعني جوي.

ضمها حاتم يشعر بوخزات قوية تضـ .ـرب قلبه قائلًا بمواساة:
الحياة بتمشي يا ماما، ودُرة أكيد فى شغلها هتلاقي اللى يسلي قلبها من الحُزن، على خالي و… توقف قبل أن ينطق إسم أخية المغدور يشعر بألم قوي بقلبه، ربما إستسلم غصبً لقرار القانون، لو كان بمهنة أخرى غير الشرطة ما كان إستسلم للقانون، وكان أخذ القصاص بالمثل… لكن هو يدافع عن القانون فكيف يخترقه. نظرت له والدته بدموع ثم تفوهت بنبرة رجاء:
ليا عندك طلب يا حاتم.

نظر لها يشعر بتهتك فى قلبه من دموعها وقبل أن يسألها، إستطردت حديثها:
دُرة….
دُرة  كانت فى حُكم مرات أخوك، أتجوزها يا ولدي إنت أولى بيها. «يتبع»
الطوفان الجاي الخميس
للحكاية بقية.

انت في الصفحة 6 من 6 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى