لكن غص قلبها عليه
ربما دُرة لا تدري، وربما تدري وتتجاهل، لكنها إن نظرت جيدًا في عينيه، سترى الحقيقة كاملة… سترى الرجل الذي حمل قلبه على راحتيه ووضعه أمامها دون أن يطلب مقابلاً…
تنهدت بتفهُم كادت تسألة هل تستحق تلك الـ دُرة كل ما تفعله من أجلها، لكن أرجأت ذلك وطاوعته قائلة:
تمام متجلجش أنا فى ضهرك. إبتسم لها بحنان وقبل رأسها قائلًا بإستقواء:
ربنا يخليكِ دايمًا يا أمي وكلمتك تفضل
…بركة وسند ليا، طول ما إنتي راضية عني، الدنيا مهما لفت بيا مش هتقدر تكسرني.
شدت على يده بحنو، وفي عينيها دمعة مختبئة، لم تكن تعلم كم هذا الابن يشبهها، رغم كل ما مر به… قلبه لازال يختار الحُب.
هي وحدها من ترى في صمته كلام، وفي انحناءة كتفه وجع لا يبوح به، لكنه حين يبتسم… تشعر وكأن الدنيا ما زالت بخير.
❈-❈-❈
باليوم التالي
صباحً
منزل عزمي
زفر نفسه بغضب بعدما علم بخروج باسل من تلك القضيه بلا أي إتهام، بل ضاع عليه أمواله هباءًا لا يستطيع البوح أن تلك كانت أمواله، إزداد غضبه حين رأي سامية أمامه تنظر له بإزدراء قائلة:
لسه راجع الدار دلوق، كنت بايت فين عشية إمبارح.
نظر لها بغضب قائلًا:
كنت فى داهية، بعيد عنك إنتِ وولادك. بداخل نفسها تمتمت:
ياريت الداهية كانت خدتك ومرجعش غير خبرك… بينما تفوهت له بإمتعاض قائلة:
سلامتك إحنا لينا غيرك، هروح المطبخ أشوف الخدامة حضرت الفطور ولا لسه، إن مكنتش على يدهم ميشتغلوش ولا يحللوا لقمتهم فى الدار. بعد دقائق على طاولة الطعام
نهض ريان بعدما صدح رنين هاتفه.. نظر له عزمي سائلًا:
مين اللى بيرن عليك خلاك قومت من عالوكل. نظر ريان نحو سامية قائلًا:
دول أصحابي سبق وقولت إني إتفقت معاهم هنروح كام يوم نتفسح فى الغردقة وشرم الشيخ.
إعترض عزمي قائلًا:
طبعًا دول الصيع اللى يادوب نجحوا بالعافية زيك، نفسي أعرف إيه ناقصك عن سُجى بت خالك، هتدخل طب. أجابته سامية بغطرسة:
مش ناقص فقر زي چوز أختك، وسيب الواد ينبسط فى الاجازة مع أصحابه، كفاية كبت طول السنه. توقفت ثم نظرت لـ ريان قائلة بتفويض:
روح يا خبيبي إنبسط ويا أصحابك. نهض عزمي بغضب وكاد يتحدث لكن صدح هاتفه، نظر للشاشة، سُرعان ما حاول الهدوء وقام بالرد ليُنهي الحديث سائلًا:
وإيه سبب الإجتماع ده.
اجابه الآخر:
معرفش. طوفان هو اللى طلب إجتماع العيلة المسا، المسا هنعرف منه.. أغلق الهاتف قائلًا:
تمام. اغلق الهاتف وقف للحظات حائرًا، بينما فضول سامية سألته:
إجتماع إيه. نظر لها بإزدراء قائلًا:
من ميتي والحريم بيدخلوا فى شؤون الرجال، خليكِ مع عيالك دلعي فيهم لحد ما يخيب أملهم أكتر واكتر.
قال ذلك وغادر بعصبية… إستهزأت منها سامية ببرود ولم تهتم، لكن بداخلها فضول معرفة سبب ذلك الإجتماع العائلي.
❈-❈-❈
بمنزل حاتم
منذ ليلة الأمس وهي تغلي غضبًا… العصبية تنهش أعصابها، والحقد يشتعل خلف عينيها، يتراقص الكره في نظراتها كجمرة تتلظى… لم يغمض لها جفن، باتت تتقلب في فراشها، ينهشها الغيظ حتى مطلع الفجر…
مع أول خيط للضوء، نهضت كأنما تُساق إلى معركة. انعكاس وجهها في المرآة أزعجها، عيونها تفيض بالخذلان… بللت وجهها بماء بارد، كأنها تطفئ ما استعصى على النوم تهدئته…
جلست بالمطبخ نـ .ـار قلبها أقوي من نيران الموقد… بينما بغرفة حاتم، إرتدي زي الشُرطة الخاص ثم خرج من غرفته توجه نحو المطبخ، تفاجئ بوجود والدته تجلس على أحد المقاعد، نظر لها شعر بوخزات قوية فى حلقه إبتلعها قائلًا:
صباح الخير يا ماما إيه اللى مصحيكِ بدري أوي كده. رفعت عينيها نظرت له بأعين باكية:
أنا منمتش أصلًا، قلبي موجوع، حاسة مأن حسام لسه ميت النهاردة، بيقولوا الوجع بيخف مع الوجت، لكن أنا وجعي بيزيد، وآخرتها كمان اللى إسمه طوفان طمع فى مرات أخوك، قلبي كان حاسس هو ليه إتلاعب بالقضية، هو كان طمعان فى دُرة من البداية.
لوهله لم يفهم حاتم معني قولها فسألها بتوضيح:
قصدك إيه بانه كان طمعان فى دُرة من البداية. إرتبكت قائلة بتبرير:
جصدي واضح، شافها وعجبته، وهو معندوش أخلاق، عادي يطمع فى أي شئ ويعمل المستحيل عشان يوصله بسهولة زي ما عمل وكتب كتابها عليها، بعد ما ضحك على عقل شاهر وتلاقيه كمان عطاه رشوة وقبل يكتب كتابها بتوكيل منها له، طول عمري مش برتاح لـ شاهر ده خالص، خبيث زي كريمان مصراوية جريئة،ضحكت على عقل مختار زمان وعاند وإتحدي الكل وإتجوزها، حتى دُرة زيها عاشت فى مصر وخدت طباع من أم أمها أكيد، بس يمكن حُبها لـ حسام هو اللى خلاها توافق علي الجواز منه رغم إعتراض مختار فى الاول بس هي موافقتها خلت مختار وافق، أكيد كريمان هي اللى كانت بتحرض
مختار على رفض حسام. توقفت تبكي تضع يدها على صدرها قائلة بوجع روح حقيقي:
حسام إتقـ,ـتل ومختار إتقـ,ـتل والإتنين دمهم راح هدر وفى النهاية طوفان وصل للي كان عاوزه، و دُرة مع الوقت هتلين وتقبل بالأمر الواقع… يا حرقة قلبي. شعر حاتم بالاختناق، وكأن الكلمـ . ـات خرجت من قلبها لتحاصر صدره هو… مد يده ليمسك بكفها المرتعش، واكتفى بالهمس:
إنتِ شايلة كل الوجع ده فى قلبك لوحدك يا ماما. نظرت له بعينين تغمرهما الدموع وقالت بصوت مخنوق:
من يوم الحُكم بتاع القضية وأنا قلبي كان حاسس وشايفه اللى جاي، دلوق طوفان هو اللى فاز.
شعر حاتم بالغيظ والغضب يتملكان منه لكن تماسك أمامها بصعوبه قائلًا بتوعد:
مستحيل أستسلم يا ماما ودمار طوفان هيكون على إيديا.
❈-❈-❈
بمنزل والد دُرة
هي الأخرى استيقظت تشعر بالإرهاق، كأن النوم بات خيطًا رفيعًا يتقطع كلما حاولت الإمساك به. كانت لياليها مؤخرًا شبيهة بساعات معلقة بين الصحو والكوابيس، لا راحة فيها ولا طمأنينة… رفعت رأسها عن الوسادة بتثاقل، تنظر إلى السقف وكأنها تبحث فيه عن سبب ذلك الضيق العالق في صدرها… كل ما حولها صامت، لكن عقلها يضج، لا يكف عن سرد الصور والذكريات والأفكار… وكأن السكون حولها يفضح الصخب بداخلها.
بصعوبة نهضت من فوق الفراش، بعد قليل ذهبت الى غرفة السفرة، نظرت بغضب وعصبية نحو شاهر الذي كان يتحدث مع باسل،تفوهت بغيظ وتريقة دون مقدمـ . ـات:
عاوزه قسيمة كتب الكتاب أكيد معاك منها نسخة بصفتك وكيل العروسة. إبتلع شاهر اللّقمة التى كانت بفمة وإرتشف خلفها المياة قائلًا بهدوء ظاهري:
طبعًا معايا نسخة، بعد الفطار هجيبهالك. نظرت له دُرة قائلة بأمر:
عوزاها دلوقتي. بدون جِدال نهض شاهر غاب دقيقتين وعاد بتلك القسيمة… حاول التحدث قائلًا بتبرير:
والله أنا لو مش عارف إن طوفان بيحبك عمري ما كنت….
قاطعته وهي تأخذ القسيمة من يده قائلة بغضب:
بلاش تبريرات ملهاش لازمة… إنت تعتبر خونت الأمانة يا خالي العزيز. أخذت دُرة القسيمة وقفت تقرأها قالت بإندهاش:
ما شاء الله مكتوب فى القسيمة تاريخ كتب الكتاب هو نفسه نفس اليوم اللى عملتلك فيه التوكيل توقفت تشعر بإندهاش ثم تحدثت بذهول:
كمان مش معقول أول شاهد على كتب الكتاب يبقي
“الشيخ عرفه”! أكملت قراءة القسيمة توقفت مرة أخري ثم جخظت عينيها قائلة:
مكتوب المهر إتنين مليون دولار، ومفيش مؤخر!
إزدردت شاهر ريقه، بينما نظرت له دُرة بإستهزاء قائلة:
طب فين الإتنين مليون دولار مهري، دلوقتي لو حبيت أخلعه هجيبهم منين، مش كنت تتأكد إنه دفع المهر الأول. برر شاهر قائلًا:
أنا عندي ثقة فى طوفان ومتأكد أنه عمره ما هيغصبك تعيشي معاه والمبلغ ده مجرد رقم مالوش أي قيمة. إستهزأت دُرة، وتركت شاهر بلا جِدال، خرجت الى حديقة المنزل تستنشق الهواء لم تُفكر وفتحت هاتفها قامت بإتصال سُرعان ما رد عليها بصوت هادئ:
صباح الخير يا دُرة.
لم ترد عليه الصباح وتفوهت مباشرة:
مكتوب فى قسيمة الجواز، إن المفروض المهر بتاعي إتنين مليون دولار، مش شايف إن المبلغ كبير أوي، كمان المفروض المبلغ كان يبقي زي القسيمة مثبوت فى رصيدي فى البنك. إبتسم طوفان يعلم أن دُرة لا يفرق معها المال، لكن راوغ قائلًا:
المبلغ فعلًا هيتحول لرصيدك فى البنك يوم فرحنا. تهكمت دُرة قائلة:
واضح إنك واثق من نفسك أوي، عالعموم أنا ميهمنيش فلوسك قصدي دولارتك، أنا عاوزة أرض بابا اللى أشتريتها.
إبتسم طوفان قائلًا:
لكل مقامِ مقال يا دُرتي، نبقي نتفاهم عالأرض بعدين، ودلوقتي مضطر أقفل عندي ميعاد مع عميل مهم، عاوز أخلصه بدري عشان راجع المنيا المسا لأمر هام، يلا خدي بالك من نفسك، إنتِ مبقتيش مِلك نفسك دلوقتي. فهمت تلميحه، فاغلقت الهاتف بغضب، تقبـ .ـض بيدها على الهاتف بعصبية، طوفان يقوم بسد الطُرق أمامها ويستغل الأقرباء وأصحاب الثقة لديها…
إن كان بداية من الشيخ عرفة
نهاية بخالها شاهر
❈-❈-❈
مساءً
رغم سفره وعودته بنفس اليوم، وشعورة بالالم والإرهاق الجسدي، لكن يود إنهاء ذلك الموضوع الليلة.
بغرفة الضيوف الكبيرة بقصر طوفان
دخل على الموجودين بالغرفة بهيبة خاصة تصحبه، وهم يقفون حتى أشارلهم بالجلوس، مُلقيًا السلام أولًا ثم جلس خلفهم، تنحنح بثبات قائلًا:
بدون لف ودوران إنتم معظمكم عارفيني مش بحب الرغي الكتير، أنا طلبت إننا نجتمع الليلة لأمر مهم، هيحدد مين فى الفترة الجاية هيبقي سند معايا ومين اللى هتظهر حقيقته. قال ذلك ونظر نحو عزمي الذي تسرع بالنفاق قائلًا:
إنت عارف إن عيلة مهران كلياتها فى ضهرك ومحدش يقدر يعترض على كلمة منك.
نظر له طوفان بنظرة باردة، خالية من الابتسامة، وقال بنبرة ثقيلة:
ماليش فى الحديت المُجامل ده مكانه مش هنا، يا خالي.. اللي في ضهري بجد، مش محتاج يفضل يقولها كل شوية. سادت لحظة من الصمت المشحون، تبادل فيها الحضور النظرات المتوترة، قبل أن يتابع طوفان وهو يوزع نظره بين الوجوه:
– الليلة دي، أنا مش طالب تأييد بالكلام… أنا طالب فعل. واللي هينفذ، هو اللي هيكمل معايا الطريق. والباقي… ربنا يسهل له. ارتفعت بعض الحواجب، وتبدلت بعض الوجوه، بينما طوفان نظر لهم بهدوء قائلًا:
أنا سبق وقدمت وليد بنفسي للـ الشرطة وجولت الجانون هو اللى يُحكم، بس كان فى راسي غرض تاني، إن الموضوع يهدى عشان وجتها كان سهل الأمر يطور وندخل فى مشكلة تار سواء مع عيلة غُنيم، أو عيلة بدران… وبعد حُكم المحكمة اللى كنت متوقعة، بسبب ضياع سـ,ـلاح الجـ .ـريمة والطب الشرعي اللى أثبت إن الرصاص كان من سـ,ـلاح مش مترخص، وشهادة الشهود اللى فى منها إتغيرت، الحُكم زي ما انتم عارفين، يعتبر فى عُرفنا حُكم مُخزي
واللى حصل فى المحكمة من حاتم، وبعده من الدكتورة دُرة يأكد إننا بنواجه غضب ممكن يستفحش لو متصرفتش بسرعة وكان فى حُكم عُرفي هو
اللى ممكن يهدي بل ممكن ينهي أي عداوة لينا مع عيلة بدران وعيلة غُنيم، وده سبب إجتماعنا النهارده، ومش مستعد أسمع أي إعتراض من أي شخص موجود. كانت عيني طوفان تنظران الى عزمي الذي تحدث بغطرسة قائلًا:
وإيه هو الحُكم ده، طالبين فِدية مالية… بسيطة ندفعها لهم ونخلص…سبق وكان بين العلتين دول خلاف على حتة أرض كام فدان وإنت إشتريتها،يعني” الدِية” ندفعها وننهي الخصومة. نظر له طوفان بإزدراء لكن تحدث بثبات:
هو فعلًا المطلوب
“الدِية”
