منوعات

طوفان الدُرة ج 4

سعاد محمد سلامة

ظلت لوقت قليل واقفة تستوعب تشعر بثقل رهيب على صدرها، كأن الغرفة بتضيق بيها رغم اتساعها…
لمست ذقنها بأطراف أصابعها كانها مازالت تستشعر حرارة لمسة يده… لمسة متناقضة، فيها شيء من التهكم، وفيها شيء من الألم… بخطوات بطيئه سارت نحو الفراش
جلست على طرفه… ضمت نفسها بذراعيها، تحاول تحتضن وحدتها وغربتها بين أربع جدران غريبة عنها…
رفعت رأسها تنظر حولها…
كُل شيء بالغرفة مُرتب لعروسين، لكن تشعر ببرودة… مرت لحظات ثقيلة قبل ان تحسم الأمر، خلعت طرحة الفستان ثم الفستان ارتدت منامه حريرية ناعمة بلون السماء وقت الغروب… غير تلك المنامة التى كانت موضوعه على الفراش، فردت

خُصلات شعرها المتوسط الطول، وقفت أمام المرآة تنظر لانعكاس كل شئ بالغرفة… كأنها ظلال.. بنفس الوقت، كان حاتم يجلس على أريكة الرُدهة، يتكئ بيديه على ركبته، ورأسه مدفون بين كفيه.
يشعر كأنه يدور في معركة مع نفسه…
وعقله يتصارع مع باطن عقله:
مش ذنبها إنها أخت طوفان… وباطن عقله يرد بمعارضة:
بس برضو مش قادر أتقبلها… والصراع برأسه مُحتدم شعر بصداع،
زفر بقوة، ثم رفع رأسه، ومرر يده بين خصلات شعره المُرتبة بعثرها…
همس لنفسه وكأنه يحكم على قلبه بالقسوة:
الليلة دي تعدي… واللي بعدها ربنا يسهل.

بالفعل بدل ثيابه بالمنامه وعاود دخول الغرفه، كانت جود جالسة على الفراش نظر نحوها صراع بين القبول والرفض، بين القوة والضعف، بين القسوة واللين لحظات حسمها سواد عقله، وهو يجذب جود بقوة من عُنقها، جعلها تشهق، لكن كتم تلك الشهقة بقسوة قُبلته، التى تألمت منها، حاول وحاول أن يكون قاسيًا، لكن فشل بذلك لكن لم يفشل فى نيل جسدها وهو يُعطي لها شعورًا بالنفور من ذلك، كأنه يفعل ذلك كـواجب ثقيل عليه، لا كحب يربطه بها.

كانت جود مستسلمة، لا عن رضا، بل عن صدمة، عن وجع داخلي أكبر من أن تترجمه الكلمـ . ـات….
كل لمسة منه كانت كطـ .ـعنة صامتة تشق كرامتها، كل قُبلة مسروقة كانت تبني جداراً من الجفاء في قلبها الهش. انتهى حاتم أخيرًا، انسحب من فوقها دون كلمة، دون حتى نظرة، كأنه يُهرب من خطيئة ارتكبها…
استدار على جانبه الآخر من السرير، وأدار ظهره لها، يلتقط أنفاسه الثقيلة بينما جسده متيبس وقلبه متخبط.

ظلت جود مُمددة، عيناها تسبحان في السقف، دموعها تجمعت عند أطراف جفنيها لكنها رفضت أن تسقط،
لأنها أدركت أن سقوط دموعها يعني سقوط آخر معاقل كبريائها.
ضمّت الغطاء عليها بقوة، وكأنها تحتمي به من عالم تحطم فوق رأسها فجأة،
وتمنت من أعماقها أن يغيب وعيها، أن تتوقف روحها عن الإحساس، ولو لهذه الليلة فقط. وفي صمتٍ خانق، استسلم كلاهما لـ ليل ثقيل، لم يكن يشبه ليالي العشاق التي كانت تحلم بها جود،
ولا يشبه البداية التي تمناها حاتم أراد كسرها، لكن فى نظره كان هينًا معها…
لم يستوعب أن ما حدث كان
لقاء جسدين، ولكن فراق روحين… منذ اللحظة الأولى.

❈-❈-❈
تسللت ساعات الليل ببطء،
مع بداية شعاع نهار جديد
فتح عيناه نظر نحو تلك الغافية على مُعصم يده،سحبه بهدوء… إتكئ براسه على إحد يديه يتأمل ملامح دُرة الغارقة فى النوم، ابتسم وهو يتذكر ليلة أمس بعدما جذبها ظل يُقبلها بشغف عاشق… كأن أنفاسها الهواء الذي لا يستطيع العيش بدونه…
مدّ يده برفق يُبعد خصلة شعر انسدلت على وجنتها، تنهد وهو يهمس في سره:
هي التي استطاعت أن تحولني لهذا الرجل… رجل يتلهف لصباحٍ يشرق على ملامحها.

ظل يتأملها وكأن الزمن توقّف عند هذه اللحظة….لحظة قناعة أنها أثمن ما امتلكه بحياته. انحنى برأسه، طبع قبلة هادئة على جبينها، وهمس بإسمها:
دُرة… تحركت بخفة وهي نائمة، كأنها ردت على همسه بتلك التنهيدة الخارجة من قلبها، فابتسم وأكمل تأملها، يعلم إن وجودها جواره مثل،حنين الوطن فى قلب المُغترب. …مد إيده وضمها لحـ .ـضنه بحذر، كأنها كنز يخاف يوقظها فتعود لعنادها…
قرب وجهه من أذنها وهمس:
ياريت الزمن يقف كده… على دفا قلبك، على نبضك اللي ساكن صدري.

كأنه شعر بنبض قلبها يجاوبه بما رغب…
تأمل شفاها المضمومة وعينيها المُغمضة

عاد الى عقله ذكري بعيدة كانت بغيضة… أول إحساس له يشعُر بالخوف فى قلبه
زفر نفسه بضيق كأن تلك الذكري لا تزال تؤلمه رغم مرور السنين…
لم يكن صغيرًا حينها،كان ببداية الشباب لكنه كان أضعف من أن يُعبر عن مدى ألمه وقتها… ما زالت تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم عالقة،بل ذكريات تلك الفترة العصيبة…، كأن الزمن يعود يطن برأسه صرخاتها المكتومة ذلك اليوم
قبل سنوات وهو بعُمر التاسعة عشر، بأجازة الصيف الذي يقضيها بالبلدة، كان هنالك وعدًا باللقاء بينه وبين دُرة ذلك اليوم بعدما تقابلا صباحً بفناء منزل “الشيخ عرفة” سيتقابلان عند ذلك النبع الذي يتوسط تلك الاراضي..

هو وصل أولًا وكان الطقس حارًا ذهب نحو ذلك النبع يغسل وجهه وراسه بالمياة، ظل مُنتظرًا، لكن صدفة أو قدر قبل أن تصل دُرة وصل حسام الذي رأي طوفان يسكُب المياة فوق رأسه إقترب منه مُتهكمً بإستهزاء قائلًا:
واقف هنا ليه، كمان مش طايق الحر، قعدتك فى مصر فى الطراوة والتكييف خلتك مبقتش تتحمل حر المنيا. نظر له طوفان بلا إهتمام قائلًا: حر… فين الحر ده، إحنا فى العصاري وبين الغيطان، كل الحكاية كنت بشرب من النبع، ولاقيت مايته دافيه من الحر عجبتني قولت أغسل راسي… بس إنت إيه اللى جابك هنا دلوق.

شعر بالغِيرة قائلًا:
أرض خالي وكمان عمتي، هنرش الأرض عشان الشجر فيه حشرات ضارة، ناسي إني بدرس فى كلية الزراعة.

لم يهتم طوفان، لكن دار بينهما جِدال غير مُتآلف به بعض النفور ، كل منهم يتبادل عدم الأهتمام للآخر ، واكتفوا بتبادل النظرات المتحفزة والردود المقتضبة… حتي رأي طوفان وصول أحد الفلاحين بماكينة رش مُبيد زراعية، ذهب حسام نحوه دون مُبالاة لـ طوفان تحدثا قليلًا ثم دخلا الى داخل الأرض بينما ظل طوفان يُراقب الطريق من الجهتين فى إنتظار دُرة التى تأخرت حتى ظهرت على الطريق توقف ينظر نحوها مُبتسمً وقف حتى وصلت
توقفت أمامه تلهث قائلة:
معرفش مش متعودة على نوم القيالة، بس نعست إزاي معرفش.

ضحك يخفق قلبه قائلًا:
نوم العوافي، كنت هستناك حتى لو الدنيا ضلمت. كانت طفله بعُمر الثالثة عشر لكن تشعُر بالاُلفة مع طوفان، ربما السبب ثقتها بالشيخ عرفه الذي دائمًا ما يمدح بأخلاق طوفان وأنه تلميذه الذي يفتخر به، ظلت بينهم بعض النظرات للحظات قبل أن يقطع ذلك الهُدهُد الذي نزل يشرب من مياه النبع الراكدة، نظرت دُرة نحوه ثم إبتسمت قائلة:
فاكر حكاية الهُدهد اللى الشيخ عرفة فسرها لينا. أومأ قائلًا:
هُدهد “سيدنا سُليمان”. ابتسمت قائلة:
الشيخ عرفة حكاياته كتير من القرآن كمان قصص تانية.

وكلمه تسحب كلمة تكتمل الجُملات بينهم بحديث بلا ترتيب فقط، يجلسان على ذلك الطرف الخراساني ونسمة العصاري، حتى وصل والد دُرة نظر نحوهما وابتسم ودُرة تنهض نحوه مُبتسمه، ضمها أسفل يده حتى توقف أمام طوفان الذي إبتسم له بقبول، كذالك طوفان بينما دُرة تحدثت ببراءة:
أنا وطوفان كنا بنتكلم عن حكايات الشيخ عرفه اللى بيحكيها لينا فى الدرس. إبتسم مختار، لكن نظر نحو الأرض قائلًا:
حسام إتأخر، وإتصلت عليه مش بيرد، كويس إنه إتأخر، أنا عرفت إن المبيد اللى قال عليه فيه نسبة سموم.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى