منوعات

طوفان الدُرة ج 6

سعاد محمد سلامة

تحاملت على نفسها تنهض وقد قبـ .ـضت على أطراف ثوبها بقوة، كأنها تحاول أن تستر به خوفها قبل جسدها… قالت بصوت مرتجف حاولت أن تجعله حازمًا: إبعد عني يا وليد… كفاية اللى حصل قبل إكده. لكنه لم يتحرك.. يقف كتمثال من نـ .ـار، عيناه ما تزالا تحومان حولها، حتى قالت مجددًا وقد ارتفع صوتها قليلًا: قولتلك إبعد عني الله يخليك، سيبني فى حالي. حينها فقط، تقدم خطوة أخرى، لكنها كانت مختلفة، ليست كتلك الخطوات البطيئة الأولى، بل كان فيها تردد، صراع ما يدور بداخله… رفع يده كأنه يوشك أن يلمسها، ثم أنزلها فجأة قائلًا بصوت أجش وحاد ومُهين:

أوعي تفكري إنك إتخلصتي مني،تعرفي مش عارف فيكِ إيه بيشدني،يمكن لما….. نظراته كانت وقحة ومخيفة، زرعت الهلع فى قلبها وهي تنظر حولها ربما تجد من ينجدها من ذلك المتوحش… شهقت زينة ببكاء كأن كلمـ . ـاته صفعتها… شعرت  بالخوف، بالضعف أمام رجل متوحش، لا يمت للرجولة، بل ذئب وضيع. قالت برجاء وهي تتراجع خطوة للخلف: حرام عليك هتكسب إيه من أذيتي. تجمد عقله عند فكره واحده فقط ، ونظر لها طويلًا بوقاحة، قبل  يصبح أمامها مباشرةً يهمس بوعيد :

مكنش لازم تعرفي… إنك نقطة ضعفي… وأنا مستحيل أضعف و… نجدة إلاهية أنقذتها… رنين هاتفها الجوال فى البداية أربكه، كذالك سماعه لصوت صهيل أحد الخيول  … كذالك تلك الصرخة التى خرجت  من زينة تتبعتها بكلمـ . ـات إستغاثة، وما كان ذلك الصهيل سوا من الفرس الخاص به والذي صهل بسبب وقوف إحد الحشرات الطائرة فوق أنفه

تحكمت طبيعته الجبانة  استدار  صعد فوق الفرس يضـ .ـرب بطنه بساقيه بقوة… يهرب مثل السارق.. وكبلحظات غاب بين الأشجار، تاركًا إياها واقفة ،  تكاد تختنق من ذلك الرماد الذي خلفه سيقان الجواد… ترتجف البرد بسبب سيلان العرق من جسدها بغزارة.. كذالك الخوف الذي كاد قلبها يتوقف بسببه… وقفت  للحظات مكانها، تستمع لصمت الأشجار الثقيل، رغم صمت الأشجار لكن كل نسمة هواء ثقيلة تحمل معها تهديدًا خفيًا… عضت على شفتها السفلى بقوة، عيناها تتلفتان حولها بارتباك، وقلبها يقرع صدرها كطبول إنذار

تهزي: هو مشي خلاص … لا… أنا ليه حاسة إنه لسه هنا… يمكن مستخبي… بيراقبني من ورا الشجر. وضعت يدها على صدرها تحاول تهدئة ضـ .ـرباته، لكنها لم تستطع… تقدّمت بخطوات حذرة، كأن الأرض تحت قدميها قد تنشق في أية لحظة  ويعود يظهر أمامها  تحاول إستعاب عقلها… فكرت فى العودة لكن مازال عقلها مذهول: ما ينفعش أرجع دلوقتي… طب أرجع منين أصلاً أنا دخلت الطريق ده لوحدي، وهو كان ورايا… يمكن لسه ورايا… التفتت حولها بسرعة، تنفست بعمق عندما لم ترَ أحدًا، لكنها لم تقتنع والهزيان يزداد:

نظراته دي ما كانتش طبيعية… كانت جريئة، مُريبة… ودي مش أول مرة أحس إنه بيراقبني من بعيد… بس النهاردة… النهاردة قرب أكتر من اللازم… لو جولت لأبوي… صمتت بل شبكت يديها في بعضها فوق فمها، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها، ليست من البرد، بل من إحساس دفين… بأنها لم تعد بمأمن بعد خروج وليد من السجن…تتمني لو كانوا أعدموه فهو يستحق ذلك. ❈-❈-❈ بالمطار نظر طوفان نحو دُرة التي تبدلت ملامحها من شبه مُضجرة الى مُتحفزة، وهي تنظر الى تلك السيدة التى تبسمت قائلة:

طوفان مهران… وكيل النيابة. مد يده يُصافحها ببسمة قائلًا: للآسف وكيل النيابة سابقًا لأني قدمت إستقالتي من سنتين ونص تقريبًا. -خسارة قالتها تلك السيدة ثم أعقبتها بمديح له: النيابة خسرت وكيل نيابة عنده شجاعة وضمير وقلبه مش بيخاف، مش بيهمه غير تحقيق العدالة. تهكمت دُرة بسخط ولم تتحدث، بينما نظرت تلك السيدة الى دُرة وتبسمت حين رأت يدها بقبـ .ـضة يد طوفان وتحدثت بسؤال أولًا: الجميلة دي تبقى مراتك. اومأ مُبتسمّ، بينما عادت تلك السيدة للحديث بمديح:

جميلة أوي ولايقين على بعض. تنهدت دُرة بدأت تشعر بشبة إختناق من تلك التي تمدح بجمالها تارة… وتارة أخري بـشجاعة طوفان… من تكون، وللآسف طوفان نفسه لا يتذكرها.. ابتسم طوفان ابتسامة باهتة، وعيناه تشتتان النظر في وجهها كمن يحاول تذكر ملامح غابت عنه في زحام السنوات والقضايا. عادت تنظر له قائلة: أكيد ممكن تكون ناسي أنا مين، أنا والدة الشاب اللى كان متهم فى قضية طـ .ـعن وإنت كنت بتحقق فيها. تنهد بتروى وقد خفت ابتسامته:

قضية إيه بالضبط؟ سامحيني… الوجوه عندي كتير. رفعت حاجبيها بنبرة أقرب للمرارة، رغم ثباتها الظاهري: قضية طـ .ـعن شاب كان إبن سياسي معروف… ابني اتهم فيها ظلـ .ـم، وانتَ كنت وكيل النيابة اللي ماسك التحقيق… يمكن ناسي، بس أنا مش ممكن أنسى. شعرت دُرة بانقباض في قلبها، نظرت نحو طوفان تنتظر منه ردًا، لكن وجهه بات جامدًا، يحمل مزيجًا من الدفاع والتحفُظ. قال أخيرًا، بصوت خفيض لكنه واضح:

أه إفتكرت حضرتك  دلوقتي… أكيد كان عندي شك وقتها إن ابنك بريء، لكن الأدلة كانت كلها ضده،بس كان فى ثغرة فى القضيه  قدرت من خلالها أتحرى الحقيقه وقدمت رأيي بكل ضمير… وسبت الباقي للمحكمة اللى أيدت براءة إبن حضرتك. هزّت رأسها ببطء، وقالت بابتسامة إمتنان تخفي نـ .ـارًا قديمة: عارفة… وعلشان كده أنا جيت أقولك شكرًا … بسببك إبني ظهرت برائته ومضاعش مستقبله فى السجـ .ـنظلـ .ـم… بس يا خسارة فعلًا اللى زيك مكنش لازم يسيب النيابة… بس أكيد عندك أسباب قوية… لما شوفتك حبيت أشكرك، إبني النهاردة بقى محاسب فى شركة سياحة هنا.

سادت لحظة صمت، توترت فيها أنفاس دُرة،تشعر بغضب فى قلبها وهي تتذكر قضية والدها التى ضاع الحق بها… بينما تحدثت تلك السيدة وهي تهمّ بالانصراف: بجد بشكرك وهفضل دايمًا أقول إن فى أشخاص ضميرهم بيبقي السبب فى إنقاذ أبرياء، بتمنالك السعادة مع زوجتك اللى واضح إنها بتحبك، إنت تستحق كُل خير، وآسفه إن كُنت تطفلت عليكم. تركتهم ومضت، بينما نظرت دُرة إلى طوفان، همست: واضح إن الست دي مغشوشة فيه متعرفش إنه السبب المباشر فى ضياع حق قـ .ـتل إتنين.

ظنت دُرة أنها همست لنفسها، لكن سمع طوفان همسها، غص قلبه بقوة، وأظهر فعلًا أنه لم يسمع همسها، إبتلع ريقه قائلًا  بثبات: بينادوا على طيارتنا، خلينا نروح مكان الطيارة. بعد قليل جلس الإثنين بمقعديهما بالطائرة، كان الصمت بينهم، وضعت دُرة رأسها على زجاج شباك الطائرة المجاور لرأسها… نظرت الى السحاب وهي تمُر، ذكرتها تلك المرأة بما حدث قبل سنوات… بالعودة ”  كانت بالسابعة عشر وقتها بكلية الحقوق بجامعة القاهرة كان إحتفال التخرُج السنوي،وتكريم أوائل الدفعة…والذي كان من ضمنهم طوفان

طوفان الذي كان،يشعر بوخزات مؤلمة فى صدره وهو يرا معظم زملائه محاطين من  ذويهم، أبائهم وأمهاتهم وأخواتهم، بينما هو كان وحيدًا حتى شاهر صديقه،أو بالأصح كان سبب صداقتهما هو مُختار غُنيم والد دُرة… والدته وأخيه الأكبر،والمفاجأة التى كانت سببً فى تخفيف مرارة ما يشعر به من وِحدة

بسمتها وإقترابها من شاهر الذي ضمها  وهو يضع على رأسها تلك القُبعة الخاصة بالخريجين،جعلت طوفان يشعر بالغِيرة من شاهر ود خطفها من هنا والذهاب بعيدًا،تحمل ذلك غصبً حتى إقتربت منه مدت يدها تصافحه،نظر الى تلك اللمعة بعينيها كان لها بريقًا خاص بها،هي تميمة قلبه،لإندفاع إحد زميلاته دفعت دُرة نحوه أصبحت بحـ .ـضنه سُرعان ما إبتعدت تشعر بخجل كذالك كادت تنحني وتأتي بتلك القُبعة التي وقعت من على رأسها،لكن هو سريعًا وضع القُبعة الخاصة به فوق رأسها وتبسم ثم إنحني وألتقط القُبعة الأخري ألقاها نحو شاهر الذي إلتقطها وإبتسم غامزًا  له…

بعد وقت بمنزل والدة شاهر كانت جلسه بسيطه بين طوفان وشاهر و دُرة  ووالدة شاهر التى تحدثت بفخر وهي تنظر نحو  طوفان قائلة بسؤال: ها يا طوفان قولي،ناويت على إيه بعد ما إتخرجت بتقدير. إبتسم لها  بينما أجاب عنه شاهر قائلًا: هيكون ناوي على إيه بعد التقدير ده،طبعًا هيشتغل فى النيابة…ده مش بعيد يلاقي جواب التعيين بكره،إبن نوح مهران بقي…إنما أناغلبان،هكمل شُغل مع المحامي اللى كنت شغال معاه أهو أخد خِبرة كويسة قبل ما أفتح مكتب مُحاماة خاص بيا.

تبسمت والدته قائلة بتقدير: طوفان اتخرج بتقدير عالي،لكن إنت يا دوب مقبول. ضحك شاهر وهو يضع يده على كتف دُرة  قائلًا: شايفه جدتك يا دُرة  فى صف طوفان عليا، وإنت بقي يا بنت أختي ناوية لما تخلصي الثانوية العامة تدخلي كلية إيه. -طب عيون. قالتها بإبتسامة، بينما تسائل طوفان: وإشمعنا طب العيون. أجابته: عشان تيتا دايمًا تقولي العيون مستحيل تكذب يمكن اللسان والقلب يكذبوا لكن العيون دايمًا بتفضح صاحبها. حقًا ذلك نظرات العيون تفضح العاشق، هذا ما لاحظه شاهر على صديقه طوفان إتجاه دُرة…

بعد قليل نهضت والدة شاهر لطهي الطعام وشاهر للرد على الهاتف، ظلت دُرة  التي أصبحت صبية تشعر بالخجل حين نهض طوفان من مكانه وجلس جوارها مجرد سنتيميرات ما تبعد بينهما، حديث عفوي،حين قالت له: أوعي فى يوم تظلـ .ـم برئ يا طوفان، تيتا دايمًا تقول دعوة المظلوم مفيش بينها وبين ربنا حجاب. أومأ لها بوعد من عينيه، لكن كان هنالك وعدًا آخر بعينيه … ومشاعر تدخل فى حيز جديد، وقرار يأخذه طوفان بمجرد أن تنتهي دُرة  من دراسة الثانوية سيتقدم لخطبتها ولن ينتظر،يخشي أن يخفق قلبها لأحدًا غيره،لن يتحمل ذلك.”

عـــــــــــــودة حين طرق طوفان على ذلك الزجاج جوار رأسها، رفعت عينيها تنظر له كان واقفً يبتسم قائلًا: لحقتي تنعسي دي المسافة يا دوب ساعه… وصلنا القاهرة والطيارة وقفت والرُكاب بدأوا فى النزول. نظرت له نظرة غير مفهومه ركزت نحو عيناه، هل ما أخبرتها به جدتها سابقًا أن العيون لا تكذب وتفضح صاحبها كان كذبً فبعض العيون أصبحت تُجيد المكر والخداع وهي وقعت بمكر بتلك العيون أولها عيني طوفان الذي يخفيهما الآن خلف نظارة تحجب الشمس، وآخرها عيني

“حسام” التي إحتارت في تفسير نظراته بين، وبين ولم تفهم مغزى لنظراته، عكس نظرة عين طوفان حين ينظر لها بأوقات الصفاء، ترى بهما حكاية لم تُروَ، وطمأنينة تُشبه حـ .ـضن الغائب بعد غياب، ترى فيهما صدقًا  أحيانًا يُربكها أكثر مما يريحها، وكأن صمتهما ينطق بما يعجز لسانه عن قوله… تلك النظرات تُربكها وتُثير في قلبها سكونًا صاخبًا، كأنها على شفا اعتراف لم يُقال، أو وعد لم يُعقد بعد… ومع كل رمشة من عينيه، كانت تشعر أن شيئًا ما يُزاح عن قلبه بصمت، شيئًا يخصها… يخصهما.

لكنها ادركت، أو تتظاهر بأنها أصبحت تُدرك، أن العيون وحدها لا تكفي، وأن حتى أعذب النظرات قد تُضلل إن لم يسندها الفعل… يُقارن عقلها… حين كانت تغض بصرها خجلاً أو حذرًا، كانت تشعر بثقله يظلّ معلقًا بها، وكأنه لم يغضّ طرفه عنها قط… هل  يحبّها حقًا… أم فقط يُجيد التمثيل سؤال ظلت تحمله بين ضلوعها كجمرة، تخمد حينًا وتشتعل حينًا، خاصة حين يُقابلها بالصمت في اللحظة التي كانت تنتظر فيها كلمة، أو حتى ابتسامة تكسر تلك  الحيرة.

لكنها لم تنسَ… أن طوفان، حين أحب، لم يقل، بل فعل… وتقدم لخطبتها باكرًا… لكن وقتها هل واجه رفض والده لذلك… أم إستسلم. فاقت مره أخري حين توقفت تلك السيارة… وضع طوفان يده على كتف دُرة  قائلًا: وصلنا مالك من وقت ما ركبنا الطيارة حاسس إنك سرحانه. نظرت ليده على كتفها، كانت يده اليسار، رأت ذلك الخاتم بدلًا عن خاتم الزواج، خاتم ذو طابع قديم، كان لوالده… لكن لأول مره تنتبه أن هنالك خاتم آخر أسفل ذلك الخاتم خاتم زواج… قبل أن تسأله كان ترجل من السيارة… ترجلت هي الأخرى قائلة بإستغراب:

ده بيت تيتا. أجابها ببسمة: أيوة طنط وحشتني هسلم عليها وأسيبك معاها للمسا هرجع أخدك نروح الفيلا بتاعتي هنا. صمت كأنه قبول…بالفعل صعد معها لمنزل جدتها بالكاد سلم عليها وترك دُرة معها وغادر جلست دُرة بحُضن جدتها، ضمتها قائلة: من زمان مقعدتيش فى خضني كده من يوم… توقفت قبل ان تقول منذ يوم وصول خبر مقـ .ـتل “مختار وحسام”بعد أن كانت شبة فقدت الوعي غير مُصدقة ذلك الخبر الذي بدل حياتها جذريًا. ❈-❈-❈

انت في الصفحة 4 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى